اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

إيران على محك... زيارات خفية وتصريحات متناقضة

{title}
أخبار الأردن -

 

قال مدير برنامج الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات الإقليمية الاستاذ الدكتور نبيل العتوم، إن التباين الظاهر في التصريحات الإيرانية بشأن تداعيات الحزمة الاقتصادية الأميركية المرتقبة لا يعكس بالضرورة تناقضًا في الموقف، إذ قد يندرج ضمن تبادل أدوار ومحاولات لإدارة الداخل الإيراني نفسيًا وسياسيًا، في ظل ضغوط اقتصادية وعسكرية متصاعدة تواجهها طهران.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن بعض التصريحات الإيرانية تسعى إلى طمأنة الداخل والتقليل من وطأة العقوبات، في حين تعكس تصريحات أخرى حجم المخاطر الفعلية، لافتًا إلى أن الرئيس الإيراني كان قد وجّه في مراحل سابقة رسائل إلى المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، حذّر فيها من التداعيات الاقتصادية المتفاقمة، ودعا إلى مقاربة مع الولايات المتحدة تخفف العقوبات وتتيح الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة.

وبيّن العتوم أن المؤشرات الاقتصادية على الأرض تبدو شديدة الحساسية، في ظل ارتفاع التضخم، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية والأدوية، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإيراني نتيجة الحصار والضربات العسكرية، ولا سيما قطاع البتروكيماويات الذي يمثل مكونًا مهمًا من مكونات الاقتصاد غير النفطي.

ولفت إلى أن الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة ما وصفه بـ"الخنق الاقتصادي الأميركي" بدأت تتمحور حول ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولها إعادة ترتيب الأولويات بما يضمن بقاء النظام، من خلال توجيه الموارد المحدودة نحو الغذاء والطاقة والأمن والمؤسسات الحيوية، وثانيها اللجوء إلى التقشف القسري عبر تقليص الاستثمارات وإعطاء الأولوية للواردات الأساسية وترشيد الاستهلاك، فيما يتمثل المسار الثالث في تحميل المجتمع الإيراني كلفة الصمود، وهو السيناريو الأكثر خطورة، لما يترتب عليه من تآكل في القوة الشرائية وارتفاع الضغوط الاجتماعية واحتمالية انفجار الوضع الداخلي.

ونوّه العتوم إلى أن طهران، بالتوازي مع ذلك، تبحث عن شرايين اقتصادية بديلة للالتفاف على القيود البحرية والعقوبات، من خلال شبكات تجاوز العقوبات والموانئ والمسارات البرية والسكك الحديدية، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من حركة التجارة والإمدادات في ظل الضغط على الموانئ الإيرانية.

وفي المقابل، أوضح أن الاستراتيجية الأميركية تبدو قائمة على تكامل أدوات الضغط، لا على خيار منفرد، وتشمل الخنق الاقتصادي وتشديد القيود على التجارة والبنوك وشركات الصرافة وخطوط الإمداد المالي، إلى جانب سياسة الانتظار والاستنزاف، بما يرفع تدريجيًا كلفة عدم التوصل إلى اتفاق بالنسبة لإيران، مع إبقاء خيار الضغط العسكري المتدرج حاضرًا عند الضرورة.

وأضاف العتوم أن الهدف الأميركي يتمثل في دفع طهران إلى الاختيار بين اتفاق بشروط أكثر صرامة وبين استمرار التآكل الاقتصادي والعسكري، مع الرهان على أن يؤدي تراكم الضغوط الخارجية إلى أزمة شرعية وتماسك داخل النظام الإيراني.

وحذّر من أن استراتيجية الضغط قد تنتج نتائج عكسية، إذ قد تدفع إيران إلى توسيع نطاق المواجهة، والانتقال من المقاربة الدفاعية إلى الهجومية، بما قد يفتح الباب أمام استهداف دول ومصالح خارج الإقليم، وهو ما من شأنه توسيع دائرة الأزمة بدل احتوائها.

وأشار العتوم إلى أن التحذيرات من التداعيات الاقتصادية للعقوبات بدأت تظهر أيضًا لدى شخصيات محسوبة على التيار المحافظ، معتبرًا أن ذلك يفتح احتمالين رئيسيين، فإما أن النظام يمهّد الرأي العام لتقديم تنازلات والعودة إلى التفاوض، أو أنه يهيئ الأرضية الداخلية والخارجية للانتقال إلى مرحلة تصعيد أكبر، خصوصًا إذا شعر بأنه وصل إلى طريق مسدود.

وحول زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى طهران، رأى أنها قد تحمل رسالة أخيرة أو إنذارًا سياسيًا، في محاولة لإقناع الجانب الإيراني بالعودة إلى طاولة المفاوضات، خصوصًا أن قنوات التفاوض غير المباشرة لم تتوقف عبر وسطاء، من بينهم باكستان وقطر وسلطنة عُمان.

وأوضح أن باكستان نفسها تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب علاقاتها التجارية مع إيران وفتحها منافذ حدودية عدة معها، الأمر الذي قد يحد من قدرتها على المناورة في حال اتساع نطاق العقوبات الأميركية.

وفي السياق ذاته، أشار العتوم إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بورقة مضيق هرمز باعتبارها أداة اقتصادية واستراتيجية، مدركة أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وإحداث ضغوط اقتصادية وسياسية على الولايات المتحدة والعالم، وهو ما تراهن طهران على توظيفه في معادلة التفاوض والضغط المتبادل.

واعتبر أن إيران تتبنى حاليًا ما يمكن وصفه بـ"المراوغة التفاوضية" لكسب الوقت، بحيث لا تسعى بالضرورة إلى تحقيق انتصار تفاوضي سريع، بقدر ما تحاول منع واشنطن من تحقيق ما تعتبره استسلامًا اقتصاديًا، وإطالة أمد المفاوضات للحصول على تخفيف جزئي للحصار أو الحفاظ على جزء من مبيعات النفط والسيولة المالية دون تقديم تنازلات شاملة دفعة واحدة.

في المقابل، قال العتوم إن الرهان الأميركي يبدو مختلفًا، إذ تسعى واشنطن إلى إضعاف الإيرادات النفطية والعملة والقدرة الاقتصادية، ورفع مستوى الضغط الاجتماعي، وصولًا إلى نقطة تصبح فيها كلفة استمرار الأزمة بالنسبة لإيران أعلى من كلفة تقديم التنازلات والقبول باتفاق جديد.

وحذر من أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن عدم معرفته بمن يمكن التفاوض معه في إيران تحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري، موضحًا أنها قد تعكس أزمة في مركز القرار الإيراني، ومحاولة لتعطيل قنوات التفاوض، فضلًا عن كونها جزءًا من حرب نفسية تستهدف إظهار النظام وكأنه يعاني ارتباكًا وفقدانًا للتماسك والسيطرة.

وأضاف أن خطورة هذا المشهد تتضاعف في حال تزامن اضطراب مركز القرار الإيراني مع أي تصعيد حول مضيق هرمز، إذ ستواجه واشنطن عندها سؤالين هما: مع من تتفاوض؟ ومن يمتلك فعليًا القدرة على إصدار قرار بفتح المضيق وضمان تنفيذ أي اتفاق يمكن التوصل إليه؟.

وخلص العتوم إلى أن الأزمة انتقلت من مجرد خلاف حول شروط الاتفاق النووي أو حدود العقوبات إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بمن يمتلك سلطة اتخاذ القرار داخل إيران، ومن يستطيع توقيع أي اتفاق وتنفيذه وضمان استمراره، معتبرًا أن استمرار الغموض في مركز القرار قد يرفع احتمالات مواصلة الضغط الاقتصادي والعسكري خلال المرحلة المقبلة، ويفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة يصعب حسم مساراتها في المدى القريب.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية