8 تناقضات في قانون الإدارة المحلية... من إلغاء الانتخاب إلى سؤال التعيينات ونفوذ السلطة
يضع الكاتب فتحي صالح مسار اللامركزية في الأردن أمام تساؤل سياسي وتشريعي بالغ الحساسية، متوقفًا عند ما يراه تناقضًا بين مرتكزات الإصلاح التي أُعلنت خلال السنوات الماضية، وبين مضامين مشروع قانون الإدارة المحلية لعام 2026، ولا سيما ما يتصل بمستقبل الانتخاب المباشر لمجالس المحافظات، وحدود الصلاحيات المالية والإدارية الممنوحة للمستوى المحلي.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن قانون اللامركزية رقم (49) لسنة 2015، الذي دشّن تجربة مجالس المحافظات المنتخبة للمرة الأولى عام 2017، حمل وعدًا بنقل جانب من القرار والموارد من المركز إلى المحافظات، غير أن الممارسة اللاحقة، كشفت عن استمرار اختلالات عميقة حدّت من قدرة التجربة على إنتاج نموذج متماسك للحكم المحلي.
وبيّن صالح أن المشهد تعقيدًا مع مشروع قانون الإدارة المحلية لعام 2026، الذي يراه نقطة مفصلية تستدعي إعادة مساءلة العلاقة بين مفهوم اللامركزية من جهة، ومضامين الإصلاح السياسي من جهة أخرى؛ إذ يطرح المشروع ترتيبات جديدة لمجالس المحافظات تتراجع فيها مكانة الانتخاب المباشر، بالتوازي مع بقاء جانب معتبر من الصلاحيات الإدارية والمالية ضمن الإطار المركزي.
من توصيات التحديث إلى مشروع القانون
واستحضر صالح في هذا السياق توصيات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية لعام 2021، والتي تضمنت الدعوة إلى التدرج في الوصول إلى حكم محلي رشيد، وانتخابات حرة ونزيهة، ونقل الصلاحيات الإدارية والمالية إلى المحافظات، إلى جانب تخصيص فصل مستقل لموازنة كل محافظة وإنشاء حساب خاص لمجالس المحافظات تودع فيه مخصصاتها بصورة مباشرة.
ورأى أن المفارقة تكمن في الفجوة التي نشأت بين تلك التوصيات وبين مشروع القانون الجديد، خصوصًا في ظل تولي المهندس وليد المصري، الذي ترأس لجنة الإدارة المحلية المنبثقة عن اللجنة الملكية، مسؤولية وزارة الإدارة المحلية، ثم مشاركته في تقديم مشروع القانون لعام 2026.
وأشار إلى أن تصريحات المصري، التي عرّفت اللامركزية بوصفها نقلًا لصلاحيات الوزارات وتفويضها من المركز إلى مديري الدوائر في المحافظات، واعتبرت الانتخاب ليس جوهر اللامركزية، تفتح نقاشًا أوسع حول تعريف اللامركزية ذاتها، وما إذا كانت تقوم على تفويض إداري من المركز أم على تمكين سياسي ومؤسسي للمجتمعات المحلية.
شرعية التمثيل في مواجهة التمثيل القطاعي
ولا يتوقف الجدل، وفق صالح، عند حدود الانتخاب، إذ يمتد إلى تركيبة مجالس المحافظات المقترحة؛ إذ أشار إلى أن المادة (37) من المشروع تتضمن تمثيل رؤساء مجالس البلديات والنقابات والغرف التجارية والمؤسسات النسائية، مع تخصيص نسبة لا تقل عن 30% للمرأة وثلاثة مقاعد للشباب.
وطرح تساؤلًا حول قدرة هذا النموذج على تعويض الشرعية الشعبية التي يوفرها الانتخاب المباشر، خصوصاً في ظل تراجع حضور ممثلي المواطنين المنتخبين بصورة مباشرة في تركيب المجالس الجديدة.
سلطة تنفيذية في مواجهة تفويض انتخابي
وفي مستوى آخر، توقف صالح عند العلاقة بين رئيس البلدية المنتخب ومدير البلدية المعيّن، معتبرًا أن بقاء الأدوات الإدارية والمالية الأساسية بيد جهاز تنفيذي معين من المركز قد يخلق انفصالاً بين السلطة والمسؤولية.
واستند إلى ما أورده النص بشأن رفض مجلس النواب مقترحًا يمنح المجلس البلدي صلاحية اختيار المدير التنفيذي، والإبقاء على آلية تعيينه من خلال نظام الاستقطاب والتعيين في القطاع العام.
وبحسب القراءة الواردة في المادة، فإن هذه الصيغة تثير إشكالية تتعلق بمدى قدرة المسؤول المنتخب على الوفاء بالتزاماته أمام الناخبين إذا كانت الأدوات التنفيذية الحاسمة تقع خارج نطاق سلطته المباشرة.
مدير البلدية: من سؤال الصلاحية إلى هاجس التعيين السياسي
غير أن الإشكالية لا تنتهي عند حدود العلاقة بين الرئيس المنتخب والمدير التنفيذي؛ إذ إن فتح ملف المادة (11) من مشروع القانون يقود إلى سؤال آخر، أكثر احتكاكًا بمستقبل التجربة وأقل ارتباطًا بالتناقضات القائمة: من يختار المدير التنفيذي للبلدية، وعلى أي أساس، وتحت أي رقابة؟.
ونوّه صالح إلى المادة، تنص على تعيين مدير تنفيذي للبلدية يتولى رئاسة الجهاز الإداري والتنفيذي، ويكون "آمر الصرف فيها" ومرجع دوائرها، بما يجعله واحدًا من أكثر المواقع التنفيذية تأثيرًا في البنية الجديدة للإدارة البلدية، غير أن اقتراب الاستحقاق الانتخابي النيابي المتوقع عام 2027 يجعل من المشروع، وفق قراءة صالح، مراقبة كيفية إدارة هذه التعيينات، ولا سيما في البلديات ذات الكثافة السكانية المرتفعة، حيث يمكن للموقع التنفيذي أن يتحول، في حال غياب الضوابط الكافية، إلى مساحة نفوذ ذات أبعاد تتجاوز الوظيفة الإدارية البحتة.
ومن هذه الزاوية، تكتسب الضمانات الدستورية المتعلقة بالمساواة وتكافؤ الفرص أهمية مضاعفة؛ فالمادة (6) من الدستور تقر مبدأ المساواة أمام القانون، فيما تكرس المادة (22) مبدأ تولي الوظائف العامة على أساس الكفايات والمؤهلات. غير أن النصوص وحدها، مهما بلغت صرامتها، لا تكفي إذا لم تُسنَد بآليات شفافة للتعيين، ومعايير معلنة للمفاضلة، ورقابة قادرة على منع تضارب المصالح أو توظيف المنصب العام خارج غايته المؤسسية، وفقًا لما صرّح به صالح لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية.
ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في أسماء المديرين الذين سيُعيّنون فحسب، وإنما في المنهج الذي سيُعتمد لاختيارهم؛ فإذا كان المعيار هو الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، فإن التعيين يمكن أن يشكل رافعة لتحسين الإدارة المحلية. أما إذا تحولت المناصب إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ السياسي، فإن ذلك سيضعف استقلال الإدارة المحلية ويعمّق الشكوك حول جدوى الإصلاح ذاته.
إصلاح التجربة أم إعادة توجيهها؟
ويضع صالح التبرير الحكومي للمشروع، والقائم على تقييم تجربة اللامركزية السابقة وتصحيح مسارها، تحت مجهر التساؤل؛ إذ يرى أن معالجة أوجه القصور لا تعني بالضرورة إلغاء أحد المكونات الأساسية للتجربة، وفي مقدمتها الانتخاب المباشر.
وبحسب هذا الطرح، فإن معالجة ضعف الأداء كان يمكن أن تتم عبر تطوير آليات الانتخاب، وتعزيز الصلاحيات، وتحسين المساءلة والرقابة، بدلاً من إعادة هندسة البنية المحلية على نحو يعيد مركز القرار إلى المستوى المركزي.
ولفت إلى أن اللجنة الملكية تحدثت عن التدرج في نقل الصلاحيات، بينما يرى أن مشروع القانون الجديد قد يدفع باتجاه معاكس، وهو ما يضع فلسفة الإصلاح برمتها أمام سؤال يتعلق بحدود التحول الفعلي من المركزية إلى اللامركزية.
الحوار التشريعي وحدود المشاركة
وأثار صالح كذلك مسألة الحوارات التي سبقت مشروع القانون، مشيرًا إلى إعلان الحكومة إجراء نحو 48 جلسة حوارية، بالتوازي مع تصريحات رسمية تفيد بأن الحوار لم يكن عامًا، وإنما شمل جهات ذات علاقة.
ومن هنا، رأى الكاتب أن السؤال لا يتعلق بعدد جلسات الحوار بقدر ما يتعلق بطبيعة المشاركين وموقع المواطن وممثليه في عملية صناعة التشريع، خصوصاً أن جوهر اللامركزية يتمثل في إيصال صوت المجتمعات المحلية إلى دوائر القرار.
بين المبررات المعلنة والهواجس المركزية
وذهب صالح إلى أن التباين بين الخطاب الرسمي وبعض التصريحات المتعلقة بالانتخاب والصلاحيات يفتح الباب أمام قراءة أعمق لمفهوم اللامركزية الذي تتبناه الحكومة؛ فبينما يُقدَّم المشروع باعتباره إطارًا لتعزيز المشاركة والشفافية، يرى الكاتب أن إعادة توزيع الصلاحيات قد تبقي مركز الثقل الإداري والمالي في العاصمة.
وفي السياق ذاته، يتوقف النص عند تسديد الحكومة ديونًا مستحقة على البلديات بقيمة بلغت 345 مليون دينار، متسائلًا عمَّا إذا كانت هذه الخطوة تمثل تمكيناً ماليًا للبلديات أم استمرارًا لعلاقة مالية تجعل استقلالها مرتبطاً بصورة وثيقة بالقرار المركزي.
التجربة التونسية: حين يتحول الإصلاح إلى فراغ مؤسسي
ولإضاءة المسار الأردني من زاوية إقليمية، يستحضر صالح التجربة التونسية، التي شهدت انتقالًا طموحاً نحو اللامركزية، تُوّج بانتخابات بلدية عام 2018، قبل أن تنعطف التجربة لاحقًا بعد يوليو 2021، وصولًا إلى حل المجالس البلدية المنتخبة عام 2023 واستبدالها بنيابات خصوصية تحت إشراف الولاة.
ورأى أن التجربة التونسية تقدم درسًا يمكن الاستفادة منه في الحالة الأردنية، ومفاده أن الاختيار بين الإبقاء على هياكل تعاني من أوجه قصور وبين إلغائها بالكامل ليس بالضرورة الخيار الأكثر نجاعة؛ إذ يبقى الإصلاح التدريجي، المستند إلى تقييم موضوعي للتجربة، مسارًا أكثر اتزاناً من القطيعة المؤسسية.
من أزمة اللامركزية إلى اختبار الحياد
وخلص صالح إلى أن الجدل حول مشروع قانون الإدارة المحلية لا ينبغي اختزاله في خلاف حول تركيب المجالس أو آليات التعيين والانتخاب، إذ يتصل، في جوهره، بالسؤال الأوسع عن طبيعة العلاقة بين الدولة المركزية والمجتمعات المحلية، وعن مقدار السلطة التي ينبغي أن تنتقل فعلياً من المركز إلى الأطراف.
ففي الوقت الذي تضمنت فيه توصيات اللجنة الملكية عام 2021 الدعوة إلى انتخابات حرة، وصلاحيات مالية وإدارية للمحافظات، واستقلال مالي تدريجي، لفت صالح إلى أن مشروع عام 2026 يقدم، وفق قراءته، صيغة مختلفة تقوم على مجالس أقل ارتباطاً بالانتخاب المباشر، واستمرار نفوذ المركز في الصلاحيات، وتفاوت بين السلطة الانتخابية والقدرة التنفيذية.
لكن، وقبل إسدال الستار على هذه القراءة، يبقى ثمة سؤال لم تُجب عنه التناقضات الثمانية؛ لأنه لا ينتمي، بالضرورة، إلى دائرة التناقض، بقدر ما يقع في دائرة الاحتمال الذي ستكشفه الممارسة: ماذا ستفعل السلطة التنفيذية بالصلاحيات التي يمنحها القانون في مجال التعيين؟.
فالمادة (11)، بما تمنحه المدير التنفيذي من موقع متقدم داخل الجهاز البلدي، تجعل من آلية الاختيار نفسها معيارًا عمليًا لقياس جدية الإصلاح. ومن ثم، لن يكون مستقبل اللامركزية مرهونًا فقط بما إذا كان المجلس منتخبًا أو معينًا، وإنما أيضًا بما إذا كانت الإدارة التي تعمل تحت مظلته محكومة بمعايير مهنية محايدة، أم قابلة للاختراق السياسي.
ومن هنا، فإن الأشهر المقبلة ستقدم الإجابة: فهل ستبقى التعيينات محكومة بالكفاءة والنزاهة والمؤهلات، كما تقتضي القواعد الدستورية والقانونية، أم تتحول بعض المواقع التنفيذية إلى قنوات لإعادة إنتاج النفوذ السياسي؟.
إنها ليست إدانة مسبقة للتعيينات، ولا افتراضًا بوقوع انحياز؛ وإنما هي مطالبة بأن تكون قواعد التعيين أوضح من أن تسمح بالشك، وآليات الرقابة أقوى من أن تترك الباب مفتوحاً للتأويل.
وهنا تحديداً يتبلور الاختبار الأعمق لمشروع الإدارة المحلية: فإذا كان الهدف هو بناء إدارة محلية أكثر كفاءة واستقلالًا، فإن المدير التنفيذي ينبغي أن يكون موظفًا عامًا تقوده الكفاءة لا الولاءات؛ أما إذا أصبح الموقع مدخلًا لإعادة توزيع النفوذ، فإن اللامركزية ستواجه مفارقة أشد قسوة تتمثل في مجالس محلية تُنتزع منها الشرعية الانتخابية، وإدارة تنفيذية قد تمتلك القوة الفعلية من دون أن تكون خاضعة مباشرة لإرادة الناخبين.







