هل يستمر الحصار البحري على إيران لأكثر من عام؟
قال الباحث في العلاقات الدولية والشأن الأمريكي الدكتور كمال الزغول إن المعطيات الراهنة تشير إلى توجه الولايات المتحدة نحو الإبقاء على الضغط العسكري والاقتصادي على إيران، مع الحفاظ على خيار الحصار البحري باعتباره أداة لخنق الاقتصاد الإيراني، محذرًا في الوقت ذاته من أن تداعيات هذه الاستراتيجية لن تقتصر على طهران، وإنما ستمتد إلى دول المنطقة والأسواق العالمية.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن التعامل مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتطلب قدرًا عاليًا من الحذر، في ضوء ما وصفه بالتبدل المستمر في مواقفه وسياساته، مستشهدًا بتغير مواقفه تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، وإعادة توزيع القوات الأميركية في أوروبا والشرق الأوسط، ذلك أن هذا التذبذب يجعل من الصعب بناء قراءة ثابتة على التصريحات السياسية وحدها.
وبيّن الزغول أن المؤشرات العسكرية، في المقابل، تبدو أكثر دلالة، خصوصًا مع استمرار الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، ووجود حاملات الطائرات وإجراء عمليات تبديل لها، إلى جانب ما وصفه ترامب بـ"الجدار الفولاذي"، معتبرًا أن هذه التحركات تعكس استراتيجية تستهدف إخضاع إيران لضغط اقتصادي متدرج بدل الانخراط الفوري في مواجهة عسكرية شاملة.
وذكر أن العودة إلى طاولة المفاوضات، إذا حدثت، قد لا تعني بالضرورة تحولًا جذريًا في الموقف الأميركي، وإنما يمكن أن تأتي في سياق إدارة الحصار البحري والحفاظ على الضغط الاقتصادي طويل الأمد، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية.
وأضاف الزغول أن فرض حصار بحري على دولة بحجم إيران، إلى جانب العقوبات الاقتصادية، يمثل معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد وقف صادراتها النفطية، إذ قد تدفع واشنطن باتجاه فرض عقوبات ثانوية على الدول التي تستمر في استيراد النفط الإيراني، الأمر الذي يمكن أن يفتح جبهة واسعة من التداعيات في العلاقات الدولية.
ولفت إلى أن إيران، بما تمتلكه من حدود برية واسعة مع عدد من الدول، قد تتمكن من الالتفاف جزئيًا على القيود البحرية والعقوبات عبر توسيع قنواتها البرية للتجارة والصادرات والواردات، مؤكدًا أن قدرة طهران على الصمود ستتوقف بدرجة كبيرة على مدة الحصار وشدته.
وقدّر الزغول أن استمرار الحصار لفترة قصيرة، تمتد لنحو ثلاثة أو أربعة أسابيع، لن يكون كافيًا لإحداث انهيار في الاقتصاد الإيراني، فيما يمكن لطهران، وفق تقديره، استخدام مواردها المحلية، بما فيها قطاعات الغذاء والزراعة، وتفعيل منافذها البرية إذا امتد الحصار لستة إلى تسعة أشهر.
أما في حال استمر الحصار لعام أو عامين، فرأى الزغول أن المعادلة قد تنقلب تدريجيًا، بحيث تصبح كلفة استمرارها مرتفعة ليس على إيران وحدها، وإنما على الولايات المتحدة ودول أخرى في الاقتصاد العالمي، نتيجة التداعيات التي يمكن أن تلحق بحركة التجارة والطاقة والأسواق.
وشدد على أن الضغط على إيران لا يحدث في فراغ اقتصادي، إذ إن أي اضطراب طويل في صادرات النفط وحركة الملاحة سيترك انعكاسات على الدول التي تعتمد على النفط الإيراني، وعلى أسعار الطاقة والاستقرار الاقتصادي في المنطقة والأسواق العالمية.
ونوّه الزغول إلى أن المشهد الحالي تحكمه، إلى حد بعيد، كفتا ميزان انتخابيتان؛ الأولى مرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية ورغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حسم الملف الإيراني، والثانية مرتبطة بالانتخابات النصفية الأميركية وما يمكن أن يترتب عليها من حسابات سياسية للرئيس ترامب.
وقال إن نتنياهو، وفق هذه القراءة، يسعى إلى دفع الإدارة الأميركية نحو حسم الملف الإيراني، معتبرًا أن التطورات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، بما فيها التحركات في سوريا، يمكن قراءتها ضمن مسار ضغط ومقايضة سياسية مع واشنطن، عنوانها أن عدم حسم الملف الإيراني قد يعني انتقال التوتر إلى ساحات إقليمية أخرى.
وحذر الزغول من أن استمرار التصعيد قد يفتح مسارات إضافية لعدم الاستقرار، ولا سيما في سوريا، مشيرًا إلى أن أي تطور عسكري يمس تركيا سيكون أكثر حساسية؛ باعتبارها عضوًا في حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي قد يضع الإدارة الأميركية أمام اختبار معقد في إدارة التزاماتها تجاه الحلف، بالتوازي مع سعيها المعلن إلى تثبيت الاستقرار في الشرق الأوسط.
وخلص إلى أن المعادلة الحالية لا تبدو محسومة لصالح طرف بعينه، فهي تتحرك بين الضغط العسكري، والخنق الاقتصادي، والحسابات الانتخابية، واحتمالات العودة إلى التفاوض، مشيرًا إلى أن العامل الحاسم خلال المرحلة المقبلة سيكون مدة الحصار البحري ومدى قدرة إيران على امتصاص تداعياته، مقابل قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تحمل الكلفة الاقتصادية والسياسية لاستمراره.







