أزمة سبتة ومليلية: "عقاب سياسي" أم "ورقة ضغط سيادية"؟.. قراءتان متقابلتان لخبيرين حول تدفق المهاجرين نحو إسبانيا
أثارت موجة تدفق المهاجرين الأخيرة نحو مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للسيادة الإسبانية جدلًا واسعًا حول الأسباب الحقيقية الكامنة خلفها، بين من يربطها بمواقف إسبانيا الأخيرة الداعمة للقضية الفلسطينية والمناهضة للحرب على إيران، ومن يعيدها إلى جذورها التاريخية كملف سيادي مغربي إسباني بحت لا علاقة له بأي موقف دولي عابر.
الرأي الأول: "ليست مصادفة".. ربط بمواقف إسبانيا الدولية
رأى الخبير العسكري محمد المغاربة أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب السابقة، التي شكك فيها بأحقية إسبانيا في التواجد على سبتة ومليلية، لم تأتِ من قبيل الصدفة، معتبرًا أنها تزامنت مع تناول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمواقف رئيس الحكومة الإسباني المنتقدة للممارسات الإسرائيلية وما أبداه من دعم لغزة، إلى جانب المواقف الإسبانية المعلنة المناهضة للحرب على إيران.
ورجّح المغاربة أن يكون ما وصفه بـ"طوفان الهجرة" الذي شهدته إسبانيا عبر سبتة، والذي وصفه بـ"الغزو البشري المفاجئ"، خطة مُعدة بدقة، وفق تقديره الشخصي، بدعم مباشر وتغطية وتسهيل ميداني من قوى محلية، مرجّحًا في الوقت ذاته احتمالية وجود تواطؤ من بعض السلطات في هذا السياق.
الرأي الثاني: "واقعية سياسية".. الملف سيادي بحت لا عقاب فيه
في المقابل، رأى قال الكاتب والباحث في الصحافة العبرية الدكتور حيدر البستنجي أن سبتة ومليلية ما زالتا تخضعان للاستعمار الإسباني، وأن المطالبة المغربية باستعادتهما لم تتوقف يومًا، مستشهدًا بمصادقة البرلمان المغربي عام 2020 على قوانين ترسيم الحدود البحرية لتشمل المياه المقابلة للمدينتين، ونشر الخارجية المغربية عام 2023 خريطة رسمية تضمهما للتراب المغربي دون حدود برية، وهو ما أثار احتجاجات دبلوماسية في مدريد حينها.
وشدد البستنجي على أن فكرة معاقبة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي بسبب مواقف حكومة عابرة لا تنسجم مع الأعراف السياسية الأوروبية، خصوصًا أن المواقف الأوروبية تجاه فلسطين تشهد تقاربًا عامًا، إذ إن مواقف دول أخرى كفرنسا تتفوق أحيانًا على الموقف الإسباني دبلوماسيًا، معتبرًا أن الموقف المغربي من فلسطين عقيدة سياسية ثابتة تتجسد عبر لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي برئاسة الملك محمد السادس، لا ورقة مساومة تُستخدم انتقائيًا.
سوابق تاريخية تدعم الطرح السيادي
واستعرض البستنجي أربع أزمات مغربية إسبانية سابقة، مؤكدًا أنها جميعًا كانت محكومة بملفات سيادية بحتة لا علاقة لها بمواقف دولية: أزمة سياج الثغور عام 2005، وأزمة جزيرة ليلى عام 2002، وأزمة استقبال زعيم البوليساريو إبراهيم غالي عام 2021 التي أدت لتدفق 10 آلاف مهاجر قبل أن تُحل باعتراف مدريد بخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء عام 2022، وصولًا إلى أزمة يوليو 2026 الأخيرة، التي أوضح أنها تزامنت مع قرار قضائي إسباني يحظر الإعادة الفورية للمهاجرين، ومع زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز للجزائر لتأمين الغاز عبر أنبوب "ميدغاز"، معتبرًا أن تدفق نحو 60 ألف شخص جاء كرسالة ضغط مغربية لحماية مصالحه الإقليمية، لا كعقاب على الموقف من فلسطين.
وخلص إلى أن ممارسات مغربية سابقة تدعم هذا الطرح السيادي، من بينها "الخنق الاقتصادي" الذي تنتهجه الرباط للمدينتين منذ عام 2018 عبر إغلاق الجمارك التجارية ومنع "التهريب المعيشي"، معتبرًا أن ذلك يؤكد أن جوهر الأزمة يكمن في مطالبة تاريخية باستعادة السيادة على المدينتين، بعيدًا عن نظريات المؤامرة المرتبطة بالمواقف الدولية الآنية.







