اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

من يدير مدينة عمرة؟... مستشار عمراني يفتح ملفها بأسئلة ثقيلة "قبل الشراء"

{title}
أخبار الأردن -

 

قال مستشار العمارة والتصميم الحضري الدكتور مراد الكلالدة إن قرار مجلس الوزراء بتعديل أسس منح الإقامة والجنسية الأردنية للمستثمرين، والذي تضمّن حوافز خاصة للاستثمار في مشروع مدينة عمرة، يمثل خطوة إيجابية في اتجاه تعزيز الاستثمار في المحافظات، غير أن نجاح هذه الحوافز، بحسب تعبيره، يبقى رهينًا بتوفر بيئة استثمارية واضحة المعالم، تبدأ أولًا بإعداد مخطط شمولي مُصدّق للمدينة يحدد بدقة حقوق المستثمرين والتزامات الجهات القائمة على المشروع.

وأوضح الكلالدة، في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن المستثمر لا يبحث بالدرجة الأولى عن الحوافز المالية، وإنما عن مشروع واضح المعالم يبدأ بأرض معلومة الموقع، ومحددة المساحة، ومعروفة طبيعة استعمالها، ومتصلة بشبكة بنية تحتية وخدمات معتمدة رسميًا، مضيفًا أن كل ما نُشر حتى اليوم، وبعد ما يقارب عشر سنوات على إطلاق فكرة مدينة عمرة، لا يتجاوز في حقيقته مخططًا أوليًا يُظهر توزيع بعض الكتل العمرانية، مع تركيز واضح على الاستاد الرياضي ومدينة المعارض والحديقة البيئية، في حين تغيب عنه العناصر الأساسية التي يقوم عليها أي مشروع تطوير حضري متكامل.

بلا مخطط شمولي مُصدّق.. المدينة تبقى "فكرة" لا مشروعًا استثماريًا

وبيّن الكلالدة أن أي مدينة جديدة لا تصبح قابلة للاستثمار الفعلي بمجرد الإعلان عنها، وإنما بعد إقرار مخطط شمولي (Master Plan) مُصدّق يشكّل المرجعية القانونية والفنية الملزمة للمشروع، بحيث يتضمن شبكة الطرق الرئيسية والفرعية، واستعمالات الأراضي، ومحاور الاستثمار، والمناطق السكنية والتجارية والصناعية والخدمية، إضافة إلى مرافق البنية التحتية الجوهرية كمحطات تنقية المياه العادمة وخزانات المياه ومحطات تحويل الكهرباء وشبكات المياه والصرف الصحي والاتصالات والطاقة.

وأضاف أن مدينة بحجم عمرة، الممتدة على مساحة تعادل مساحة لواء كامل، لا يمكن تطويرها بمعزل عن مخطط شمولي يقسّمها إلى مناطق حضرية (Districts)، ثم إلى أحياء وقطاعات وبلوكات وقطع أراضٍ مفروزة ومسجلة رسميًا لدى دائرة الأراضي والمساحة، بما يتيح للمستثمر أو المواطن شراء الأرض على الخارطة، مع وضوح تام في الملكية والاستعمالات والحقوق التنظيمية والخدمات المستقبلية.

من يدير المدينة؟ أسئلة مؤسسية معلّقة تسبق أي قرار استثماري

وشدد الكلالدة على أن نجاح المشروع يستلزم أيضًا وضوحًا كاملًا في الإطار المؤسسي والإداري، من خلال الإجابة عن جملة من الأسئلة الجوهرية التي ينبغي أن تسبق أي قرار استثماري، أبرزها: من هي الجهة المطورة للمدينة؟... ومن يتولى إدارتها؟... وما الجهة المخوّلة بإصدار رخص الإعمار والتراخيص المهنية والاستثمارية؟... وهل ستخضع المدينة لأحكام البلدية المختصة أم لسلطة خاصة أم لشركة تطوير عقاري؟، معتبرًا أن هذه المسائل لا تقل أهمية عن المخطط الشمولي نفسه، كونها تحدد البيئة القانونية والإجرائية التي سيعمل المستثمر ضمنها.

وأضاف أن من الضروري كذلك نشر مخططات الأراضي إلكترونيًا، إلى جانب مخطط الموقع التنظيمي باعتباره الوثيقة التنفيذية التي توضح مواقع قطع الأراضي وأبعادها واستعمالاتها والارتدادات ونسب البناء والارتفاعات والكثافات ومحاور الحركة ومراحل تنفيذ البنية التحتية، بما يمكّن المستثمر من تقييم فرصته على أسس فنية وقانونية واضحة، بعيدًا عن الاجتهادات الشخصية أو التوقعات غير المؤكدة.

القطاع الخاص سبق الحكومة.. ومضاربات محمومة على أراضي الجناب والمديسيات

ولفت الكلالدة إلى أن القطاع الخاص سبق الجهات الرسمية في استثمار فكرة المدينة عبر المكاتب العقارية، مستطردًا أن المناطق المحيطة بمدينة عمرة، وتحديدًا منطقتي الجناب والمديسيات، شهدت عمليات واسعة لإفراز الأراضي وفق الحدود الدنيا المسموح بها خارج التنظيم، حيث جرى بيع قطع تراوحت مساحاتها بين ثلاثة وعشرة دونمات وربما أكثر، معظمها مخدوم بطرق زراعية فقط، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الأراضي في تلك المناطق أضعافًا مضاعفة خلال فترة قصيرة.

وحذّر من أن الإعلان عن الحوافز الاستثمارية قبل اعتماد المخطط الشمولي وتصديقه ونشره للرأي العام قد يفضي إلى نتائج عكسية تمامًا، إذ تتجه رؤوس الأموال نحو شراء الأراضي المحيطة بالمشروع والمضاربة عليها، بدلًا من توجيه الاستثمار داخل حدود المدينة نفسها، موضحًا أن ارتفاع الطلب القائم على مجرد التوقعات يرفع أسعار الأراضي بصورة لا تعكس قيمتها التنموية الحقيقية، بينما تبقى المدينة ذاتها بلا إطار تخطيطي وتنظيمي واضح يحدد مواقع المشاريع واستعمالات الأراضي ومراحل التنفيذ وأولويات البنية التحتية.

التجارب العالمية تبدأ بالمخطط لا بالحوافز

ونوّه الكلالدة إلى أن التجارب العالمية الناجحة في إنشاء المدن الجديدة تبدأ دائمًا بإقرار المخطط الشمولي وتصديقه، واعتماد شبكة الطرق والبنية التحتية واستعمالات الأراضي، قبل الشروع في طرح الأراضي الاستثمارية والسكنية والتجارية وفق مراحل تنفيذ معلنة بوضوح، بحيث يستطيع المستثمر شراء قطعة أرض محددة على الخارطة وتسجيلها لدى دائرة الأراضي والمساحة، والحصول على التراخيص اللازمة ضمن برنامج زمني واضح، وهو ما يحدّ من المضاربات العقارية ويوجّه الاستثمار نحو التنمية الحقيقية بدلًا من المضاربة على الأراضي.

وأضاف أن المستثمر يحتاج أيضًا إلى صورة واضحة عن البيئة الاستثمارية داخل المدينة، بما يشمل مواقع الاستثمارات الحكومية الكبرى والاستثمارات الاستراتيجية القائمة أو المخطط لها، وفي مقدمتها استثمار المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي المقدّر بنحو 172 مليون دينار، معتبرًا أن معرفة موقع هذه الاستثمارات وطبيعتها وعلاقتها ببقية المشاريع تساعد المستثمر على تقييم الفرص وفهم طبيعة المنافسة، وبناء قراره على معلومات واضحة لا على التخمين.

سؤال مفتوح للحكومة: أين المخطط الشمولي المُصدّق؟

وتساءل الكلالدة: "إذا كانت الحكومة تراهن على مدينة عمرة باعتبارها مشروعًا وطنيًا قادرًا على جذب الاستثمار، فلماذا لم يُنشر حتى الآن مخطط شمولي مُصدّق يحدد مكونات المدينة، وشبكة الطرق ووسائط النقل العام التي ستخدمها، وآلية إدارتها، والجهة المانحة للتراخيص، ورسوم الترخيص، وضوابط الإعمار  (Building Regulations)، ومراحل تنفيذ البنية التحتية، حتى يتمكن المستثمر من شراء الأرض على الخارطة والانطلاق في تنفيذ مشروعه ضمن إطار قانوني وتنظيمي واضح؟".

وخلص إلى أن المدن الجديدة تقاس بمدى جاهزية منظومتها التخطيطية والقانونية والإدارية، مشددًا على أن المستثمر لا يضع أمواله في فكرة عابرة، وإنما في مدينة مكتملة الأركان، واضحة الحقوق، معلومة الالتزامات، وقابلة للتنفيذ الفعلي منذ اليوم الأول.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية