شلبي يكتب: تأثير القوى الكبرى على السلوك الإيراني: الأدوات، الدعم الخفي، وانعكاسات الخليج العربي
الدكتور سعد شاكر شبلي
تواجه العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مرحلة من التوتر غير المسبوق، حيث تتقاطع السياسات العقابية المكثفة مع تحالفات إقليمية ودولية متغيرة. إذ لم يعد المشهد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط – وبخاصة الخليج العربي – محصوراً في ثنائية واشنطن وطهران، بل بات مفتوحاً على تدخلات متعددة من قوى كبرى مثل روسيا والصين، في سياق يسعى كل طرف فيه إلى إعادة تعريف موازين القوى.
سنتناول بالتحليل السبل المتاحة للولايات المتحدة الأمريكية للتأثير على السلوك الإيراني، وحجم ودور روسيا في تشكيل سياسات النظام، والخيارات الأمريكية في المرحلة المقبلة، والموقف الروسي والصيني من أي مواجهة محتملة، وأبعاد الدعم المقدم للبرنامج النووي الإيراني، وأخيراً تأثير بقاء النظام الإيراني على استقرار الخليج العربي.
أولاً: السبل المتاحة للولايات المتحدة الأمريكية للتأثير على سلوك إيران في الشرق الأوسط
توظف واشنطن مزيجاً من العقوبات الاقتصادية الشاملة والضغوط العسكرية والدبلوماسية، في محاولة لردع إيران وإضعاف نفوذها. وقد اتخذت إدارة دونالد ترامب منذ عام 2025 استراتيجية "الضغط الأقصى" (Maximum Pressure) التي تستهدف تقليص الصادرات النفطية الإيرانية إلى الصفر وتفكيك شبكات تمويل الحرس الثوري. كما صاحب ذلك إعادة نشر حاملتي طائرات هائلة – أبراهام لينكولن وجيرالد فورد – في الخليج العربي والضرب على العصب الاقتصادي الإيراني.
وتزامنت الضغوط الاقتصادية بتوجيه عقوبات على "شبكة مصرفية موازية" تدير مئات المليارات من الدولارات لتغذية الأنشطة العسكرية وزعزعة استقرار المنطقة. لم تقتصر الأدوات على العزلة المالية، بل تمارس واشنطن أسلوب الحظر البحري وأنشأت تشكيلات بحرية لمراقبة مضيق هرمز، رغم أن إيران ردت بتهديد طاقمها العسكري بأن أي دولة تدعم العقوبات ستواجه صعوبات في عبور المضيق.
إلى جانب ذلك، تنشط دبلوماسية أمريكية للتهدئة في فيينا ومسقط وجنيف، وإن كانت المفاوضات حول الملف النووي الإيراني لم تحقق تقدماً ملموساً بعد، وسط إصرار إيران على أن الحق في التخصيب جزء من برنامج مدني.ومع ذلك، حذرت تقديرات استخباراتية من أن الضربات العسكرية المحددة قد لا تقضي على القدرات النووية بالكامل، بينما أظهرت بعض التحليلات أن الحرب زادت من جرأة إيران بدلاً من إخضاعها.
ثانياً: مدى مشاركة روسيا في التأثير على سلوك النظام الإيراني
تتبنى روسيا علاقة معقدة مع إيران تجمع بين التعاون الاستراتيجي والحسابات البراغماتية. ففي يناير 2025 وقع البلدان معاهدة شراكة استراتيجية شاملة لمدة 20 عاماً، شملت مجالات الدفاع، الطاقة، الاستخبارات، وإنشاء ممر نقل شمال–جنوب لتفادي العقوبات الغربية.كما استمرت روسيا في تقديم تقنيات الطائرات المسيرة، ومعلومات استخباراتية، وأنظمة دفاع جوي متطورة منها صفقة "فيربا" السرية بقيمة 500 مليون يورو.
وبرز التنسيق بين البلدين عبر مناورات بحرية مشتركة مع الصين في بحر عُمان ومضيق هرمز كرسالة سياسية واضحة. لكن في الوقت نفسه، بقيت روسيا حذرة: لم تتضمن المعاهدة بند دفاع مشترك إلزامي مثل حلف شمال الأطلسي، وخلال الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران لم تقدم دعماً عسكرياً مباشراً، بل اكتفت بالبيانات الدبلوماسية. يُفسر هذا التناقض بانشغال روسيا بحرب أوكرانيا، مما يحد من قدرتها على الانخراط في مغامرات عسكرية جديدة مع الحفاظ على إيران كشريك مهم في مواجهة التفرد الغربي.
لذا فإن التأثير الروسي فعّال في المجالات التقنية والسياسية لكن بمستوى منضبط لا يصل إلى دفاع تلقائي عن إيران في حرب شاملة.
ثالثاً: الأدوات التي يمكن استخدامها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران في المرحلة القادمة
تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران عدة خيارات متدرجة، أبرزها:
- الخيار العسكري: ويشمل شن ضربات جوية مركزة على المنشآت النووية والصاروخية، مع احتمال رفع مستوى التصعيد إلى عمليات استهداف القيادات. لكن بعض التقارير الإعلامية تؤكد أن التقدم النووي الإيراني قد يكون قد تجاوز القدرة على التدمير السريع، ما يقلل من جدوى الهجوم.
- الضغط الاقتصادي والمالي المتواصل: يتمثل بتشديد العقوبات الثانوية على أي شركة أو دولة تتاجر مع إيران، واستهداف أسطول الظل النفطي الذي ينقل الخام إلى الصين، وفرض رسوم جمركية إضافية.
- العمل الدبلوماسي متعدد المسارات: عبر دفع الأمم المتحدة لفرض آلية "السناب باك" لعقوبات ما قبل الاتفاق النووي، ورفع الضغط على الصين وروسيا لاستخدام حق النقض. إلى جانب دعم المعارضة الإيرانية الداخلية وحركات الاحتجاج عبر استخدام نافذة القنوات الإعلامية والإنترنت.
- حشد الحلفاء الإقليميين: وتثبيت وجود عسكري متقدم في قواعد الخليج العربي، مع تعزيز أنظمة الدفاع الجوي في السعودية والإمارات لمواجهة الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
لكن تجدر الإشارة إلى أن فعالية هذه الأدوات قد تتباين: فالحصار البحري أظهر تهرب السفن من المراقبة عبر كوريدورات برية من باكستان، واستمرار إيران في تصدير النفط. وبشير الواقع العملي أن الضغط الاقتصادي وحده نادراً ما أدى إلى تغيير سلوك النظام الإيراني، بل زاد من صموده.
رابعاً: مدى الدعم المحتمل من روسيا والصين للنظام الإيراني
من المتوقع أن تقدم كل من روسيا والصين دعماً محدوداً، ذكياً، وبعيداً عن المواجهة المباشرة، وذلك وفق حسابات استراتيجية وتكاليف محسوبة.
- نوع الدعم الروسي: الأبرز في هذا الدعم هو: التعاون الاستخباراتي، مقاسم تقنيات المسيّرات، تزويد بطاريات دفاع جوي متطورة، وتدريب عسكري عبر مناورات مشتركة. في فبراير 2026، استضافت إيران مناورة "ساهاند 2025" مع الصين وروسيا ضمن منظمة شانغهاي للتعاون، ما عزز الاندماج العسكري.
- نوع الدعم الصيني: أكثر بعداً اقتصادياً: شراء الصين ما بين 80-90% من صادرات النفط الإيرانية، ما يمد النظام بسيولة مالية. كما تواصل الشركات الصينية توريد معدات مزدوجة الاستخدام (محركات، بطاريات، مواد كيميائية) يمكن أن تستخدم في الصواريخ والمسيرات. وتقوم الصين بدور دبلوماسي قوي بالفيتو في مجلس الأمن ضد القرارات المعادية لإيران.
- الحسابات المشتركة: ترى القوتان في بقاء النظام الإيراني ورقة ضغط لإرهاق القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، ومنع واشنطن من التركيز على المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا. لكن في الوقت نفسه، تخشى كل من الصين وروسيا من اندلاع حرب إقليمية شاملة تضرب مصالحها الاقتصادية وتقطع إمدادات الطاقة.
- حدود الدعم: لا توجد أي ضمانات بتدخل عسكري بري أو جوي من روسيا أو الصين لدعم إيران، إذ لم تتضمن الاتفاقات معاهدة دفاع مشترك. وفي لحظات حاسمة خلال صيف 2025، امتنعت روسيا عن إرسال قوات إلى جانب إيران، مما أظهر أن الدعم مشروط بحدود.
لذا يمكن التوقع بحصول إيران على أسلحة متطورة ومعلومات استخباراتية ودعم سياسي، دون انتظار تدخل مباشر إلى جانبها.
خامساً: خبايا الدعم الذي تقدمه الصين وروسيا للجهود النووية الإيرانية
يعتمد التعاون الثلاثي على تنسيق دبلوماسي محكم لتجنب فرض عقوبات جديدة، وتعزيز الموقف التفاوضي لإيران، وذلك من خلال:
- التنسيق في المحافل الدولية: تعقد الصين وروسيا وإيران اجتماعات دورية في فيينا وبكين لمواءمة مواقفها بشأن الملف النووي، والدعوة إلى إنهاء "العقوبات الأحادية الجانب" والتأكيد على حق إيران في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. وقد صدر في مارس 2025، بيان ثلاثي عن اجتماع بكين ندد بالضغوط الأميركية وأكد أن الحل الوحيد هو الحوار.
- الدعم التقني عبر قنوات مزدوجة الاستخدام: بعض الشركات الصينية واصلت توفير مكونات إلكترونية وبطاريات ومحركات قد تدخل في أنظمة التخصيب أو تكنولوجيا الصواريخ. كما تزود روسيا إيران بمعلومات عن تصميم المفاعلات، وفي سبتمبر 2025 تم التوقيع على مذكرة تفاهم لبناء محطات نووية صغيرة.
- الغموض الاستراتيجي: يهدف كلا الحليفين إلى إبقاء برنامج إيران النووي ضمن حدود عدم الانتشار، لكنهما لا يريدان نزع السلاح الكامل الذي من شأنه أن يزيل ورقة ضغط مهمة في مواجهة النفوذ الغربي. لذلك يتبنيان خطاباً يدعم "حقوق إيران السلمية" ويطالبان الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأخذ ذلك في الاعتبار، بينما يتجاهلان القلق الغربي بشأن نسبة التخصيب التي تجاوزت 60%.
هذا الدعم لا يعني تقديم رأس حربية نووية، لكنه يخلق بيئة تسهل بقاء إيران قاب قوسين أو أدنى من السلاح النووي مع حصانة دبلوماسية تحميها من عقوبات جديدة.
سادساً: تأثير بقاء النظام الإيراني على تطورات الأحداث في منطقة الخليج العربي
يشكل بقاء النظام الإيراني عاملاً محورياً في استمرار حالة اللااستقرار في شبه الجزيرة العربية، إذ أن إيران تحولت من التهديد النظري إلى تنفيذ هجمات متكررة على البنية التحتية الحيوية لدول لخليج العربي. في عام 2026 وحده، سجلت آلاف القذائف والمسيرات الإيرانية أهدافاً نفطية ومدنية في الإمارات، الكويت، قطر، والسعودية، مما أدى إلى خفض إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر بنسبة 17%، وإعلان القوة القاهرة في العديد من الشركات.
ووفقاً لمعطيات الواقع، فإن قيام نظام "عسكري متحصن" ومستمر في الحكم حتى بعد انتهاء الحرب، سيبقي الخليج العربي تحت "رعب مستمر لسنوات" – إذ يمكن للنظام الضعيف عسكرياً لكنه يمتلك قدرات تخريبية أن يشل الملاحة في مضيق هرمز ويضرب مراكز الطاقة. في الوقت نفسه، تعلمت دول مجلس التعاون الخليجي أن أمنها لم يعد مضموناً عبر الوجود الأميركي فقط، وأخذت تنحى نحو سياسة التهدئة الذكية: فتح قنوات اتصال مع إيران، الدفع نحو الحلول الدبلوماسية، اللجوء إلى تحالفات إقليمية بديلة مع تركيا وباكستان ومصر، وعدم المشاركة في التحالف العسكري ضد إيران. لكنها تدرك أن استمرار النظام الراهن يفرض عليها استثمارات ضخمة في الأنظمة الدفاعية وتنويع الاقتصاد لمواجهة أي تصعيد. بالمحصلة، بقاء النظام الإيراني يبقي المنطقة في توتر دائم ومكلف، ويعيد تعريف المفهوم التقليدي للأمن الخليجي.
ختاماً: تُظهر الوقائع الراهنة أن المقاربة الأميركية القائمة على "الضغط الأقصى" لم تحقق تغيير جوهري في سلوك النظام الإيراني، بل دفعت إيران نحو تعزيز تحالفاتها مع روسيا والصين، اللتين قدمتا دعماً مزدوجاً: سياسي في المحافل الدولية، وتقني في المجال النووي والعسكري، دون تجاوز الخط الأحمر المتمثل في عدم الدخول في حرب شاملة ضد الولايات المتحدة الأمريكية. في الجانب الآخر، قد يؤدي استمرار النظام إلى تهديد أمن الخليج عبر استهداف البنية الحيوية وإطالة أمد حالة اللااستقرار.
وتبقى الخيارات أمام الولايات المتحدة الأمريكية مفتوحة بين الضربات العسكرية أو العزلة الاقتصادية أو دبلوماسية المقايضة، لكن دون ضمانات أكيدة بتحقيق أهدافها. وعلى صناع القرار في المنطقة والعالم أن يدركوا أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تشمل نزع الأسلحة التقليدية والنووية، وإعادة بناء نظام أمني إقليمي يقوم على التكامل الاقتصادي واحترام السيادة، لا على الردع وحده، لضمان سلام طويل المدى يخدم مصالح جميع الأطراف.





