التل يكتب: منتدى الاستراتيجيات الأردني: قراءة نقدية في استطلاع غير تمثيلي ودعوة متناقضة
د. مصطفى التل
ورقة الموقف المسماة "تعديلات قانون التنفيذ المتعلقة بحبس المدين وخيارات الإصلاح" الصادرة عن منتدى الاستراتيجيات الأردني في أيار 2026، والتي تستند إلى استطلاع رأي زعم أنه شمل 1752 مستجيباً وتوصل إلى أن 67% منهم يؤيدون إعادة حبس المدين، أرى من واجبي كواحد من عوام الشعب الأردني الذي لم يصله هذا الاستطلاع أن أقدم قراءة نقدية متأنية لهذه الورقة.
ذلك أن الورقة نفسها تعاني من عيوب منهجية وجوهرية تجعل نتائجها غير قابلة للتعميم وتوصياتها غير متوافقة مع التزامات الأردن الدستورية والدولية.
لنبدأ من المنهجية:
الورقة تذكر أن الاستطلاع نُفذ بالتعاون مع غرف الصناعة والتجارة، مما يعني أن العينة لم تكن عشوائية ولا وطنية شاملة بل جاءت من سجلات هذه الغرف التي تمثل في الغالب فئة الدائنين وأصحاب الأعمال وليس عموم الاقتصاد الأردني الذي يشمل المدينين والعمال والمستهلكين. هذا التحيز في الإطار العيني يجعل أي تعميم للنتائج على الاقتصاد الوطني غير جائز علمياً. علاوة على ذلك، تخلو الورقة من ذكر عناصر أساسية لا غنى عنها في أي استطلاع علمي، مثل طريقة اختيار العينة، ونسبة الاستجابة، وهامش الخطأ، والتوزيع الجغرافي والقطاعي للمستجيبين. غياب هذه المعلومات يجعل الاستطلاع، من الناحية المنهجية، غير مؤهل للاعتماد عليه في صياغة توصيات تشريعية مصيرية.
أما الإشكالية الأكبر فتتمثل في أن الورقة تستخدم بيانات سابقة زمنياً على التعديلات نفسها كدليل على آثار تلك التعديلات. فالرسم البياني لقيمة ومتوسط الشيكات المعادة يمتد حتى عام 2024، والتعديلات دخلت حيز التنفيذ في حزيران 2025. وكذلك الرسم البياني للاقتراض من المصادر المنظمة وغير المنظمة يمتد حتى عام 2024 أيضاً. كيف يمكن لبيانات تسبق القانون بأكثر من عام أن تكون دليلاً على آثاره السلبية؟ هذا خلط فادح بين الارتباط والسببية، بل هو خطأ زمني واضح. الأرجح أن ارتفاع قيمة الشيكات المعادة يعود لعوامل اقتصادية كلية تراكمية مثل التضخم والنمو الاقتصادي الاسمي وأزمة المديونية وجائحة كورونا، لا إلى تعديلات لم تكن قد طبقت بعد.
الادعاءات الأساسية في الورقة تقوم على مشاعر ذاتية لا حقائق موضوعية:
عبارات مثل "تراجعت الثقة" و"ازدادت صعوبة التحصيل" و"زاد التوقف عن السداد" هي انطباعات شخصية لدى المستجيبين، والورقة لم تقدم أي مقياس موضوعي يثبت هذه الادعاءات. بل إن سؤالاً مثل "هل التعديلات تميل لصالح المدين" هو سؤال رأي وليس سؤالاً عن حقيقة قانونية ثابتة. والأكثر إشكالية أن 82% من المستجيبين أفادوا بأنهم لجأوا إلى حبس المدين سابقاً، وهذا يؤكد أن الغالبية العظمى من العينة هم من الدائنين الذين اعتادوا على الحبس كأداة ضغط وخسروا هذه الأداة، فجاءت إجاباتهم تعبر عن مصلحتهم الذاتية لا عن رؤية اقتصادية متوازنة.
وهنا نصل إلى المأزق المنطقي الأكبر في الورقة:
المنتدى يقر في الصفحة الخامسة عشرة صراحة بأن "تقييد حبس المدين بحد ذاته ليس هو المشكلة، بل يكمن التحدي في غياب البدائل الفعالة". هذا الاعتراف يدمر أساس الدعوة إلى إعادة الحبس، لأنه يعني أن المشكلة ليست في إلغاء الحبس بل في غياب بدائله. فلماذا إذن تطالب الورقة بإعادة الحبس بدلاً من أن تطالب بتطوير البدائل؟ الحل المنطقي من هذا التشخيص ذاته هو تطوير نظام متكامل من البدائل غير السالبة للحرية، وليس العودة إلى أداة قديمة ثبت عالمياً أنها تنتهك حقوق الإنسان ولا تحقق تحصيلاً أفضل.
بل إن المستجيبين أنفسهم، وفق ما ورد في الورقة، صنفوا البدائل من حيث الفاعلية: فجاء إدراج المدين في منصة ائتمانية بنسبة 78.2%، والحجز على الأموال والحسابات البنكية بنسبة 76.2%، وتقييد الخدمات الحكومية بنسبة 75.2%. هذه جميعها بدائل غير سالبة للحرية ولا تتعارض مع الدستور أو المواثيق الدولية. فلماذا تُهمش هذه البدائل ويُرفع شعار العودة إلى الحبس؟!
من ناحية التجارب الدولية :
الورقة تقرأ الجدول الذي أعدته بطريقة انتقائية. فدول مثل ألمانيا وفرنسا وكندا ألغت حبس المدين بالكامل ولم ينهار اقتصادها الائتماني لأنها طورت بدائل فعالة. والسعودية والإمارات قطعت شوطاً كبيراً في إلغاء الحبس مع تطوير منصات إلكترونية للتنفيذ مثل "تاجز". أما الكويت التي أعادت الحبس جزئياً، فإنما فعلت لأنها ألغته دون أن تطور البدائل، وهذا هو الخطأ نفسه الذي تدعو إليه الورقة ذاتها. العبرة إذن ليست في العودة إلى الحبس بل في الإسراع في تطوير نظام بدائل متكامل.
ثم إن الورقة تتجاهل تماماً الالتزامات الدولية والدستورية للأردن:
فالأردن موقع على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 11 منه تنص صراحة على أنه لا يجوز سجن أي شخص لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي. كما أن المحكمة الدستورية الأردنية قضت في أكثر من مناسبة بعدم دستورية التشريعات التي تتعارض مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية الموقعة عليها الأردن، ومنها قطعاً حبس المدين العاجز استناداً إلى حق الكرامة والحرية الشخصية. إعادة الحبس بشكل عام من شأنه أن يعرض الأردن لانتقادات دولية ولدعاوى أمام لجان حقوق الإنسان.
والأدهى من ذلك كله أن الورقة لا تفرق بين المدين العاجز بسبب الفقر أو المرض أو الإفلاس وبين المدين المماطل القادر على الدفع الممتنع عنه. حبس العاجز هو انتهاك لحقوق الإنسان وهو عبث اقتصادي لأنه لن يجعل المعدم يدفع وهو خلف القضبان.
بناءً على كل ما تقدم، أخلص إلى أن ورقة منتدى الاستراتيجيات الأردني، رغم أهميتها كتعبير عن قلق فئة الدائنين في ظل غياب البدائل، لا تصلح كأساس لأي تعديل تشريعي. الاستبيان غير علمي المنهجية، والبيانات المستخدمة سابقة زمنياً للتعديلات، والاستدلالات تخلط بين المشاعر والحقائق، والتوصيات متناقضة داخلياً، والتجارب الدولية مقروءة بشكل انتقائي، والالتزامات الحقوقية مغيبة تماماً.
إن الحل الحقيقي الذي يجب أن تطالب به الورقة بدلاً من إعادة الحبس هو الإسراع في بناء منظومة بدائل متكاملة:
إنشاء منصة ائتمانية وطنية بديلة تلك المنصة المستوردة ( كريفت ) ، وربط المحاكم والبنوك والدوائر الحكومية إلكترونياً لتسريع الحجز، وتفعيل نظام التسوية المبكرة للديون الصغيرة، وإصدار قانون التخصيم المالي، وتوسيع صلاحيات الحجز الإلكتروني المباشر.
وإذا بقي مجال للحبس فليكن استثناءً محدوداً جداً وبضمانات قضائية صارمة، بعد إثبات المماطلة المتعمدة واستنفاد جميع البدائل، ولمدة قصيرة لا تتجاوز أياماً.
أما العودة إلى حبس المدين بشكل واسع كما تقول الورقة، غير مفرقة بين العاجز والمماطل، فهي خطوة إلى الوراء تتناقض مع روح الدستور والتزامات الأردن الدولية وأحكام المحكمة الدستورية، ولن تحقق تحصيلاً أفضل بل ستزيد من معاناة الفقراء وتعطل إنتاجيتهم وتكلف الدولة أعباء السجون دون جدوى اقتصادية







