ملكاوي يكتب: "بيع الأمل" وفق النموذج الليبرالي
موفق ملكاوي
هناك كتب يتم تأليفها وفق «وصفة» رائجة، بعناوين جذابة ولغة سهلة جدًا بأفكار معلبة، تهدف في الأساس إلى الدخول في باب «الأكثر مبيعًا»، ومثلها أفلام يتم إنتاجها بناء على «ما يطلبه الجمهور»، وغالبًا ما يتم تدوير قصص معينة بصيغ مختلفة، ويتم إنتاج سلاسل متتابعة منها عند تحقيقها النجاح.
كتب بناء وتطوير الذات التي يروج لها في العالم كله، تأتي من هذا الباب، فمعظمها تتم كتابته بالقالب نفسه، بعيدًا عن الخصوصيات الثقافية التي تحكم المجتمعات أو الأسواق، وبعيدًا عن طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتسم بها المجتمعات خارج بيئة المؤلف. ورغم ذلك، فإنها لا تتردد بتأكيد «وصفة النجاح» وفق رؤية المؤلف، والذي يكتبها ضمن اشتراطات مجتمعه، لكن المترجمين ودور النشر، ومن يتبعهم من سارقي الأفكار، لا يتورعون عن وصفها لمجتمعات أخرى لا تتشابه طبيعتها مع بيئة المؤلفين.
كثير من تلك الكتب تتطلب شخصًا منقطع الجذور، يخوض تجربة النجاح والاكتمال بعيدًا عن أي مسؤوليات اجتماعية تؤثر في خياراته. هذه الوصفة قد تكون مثالية للثقافة الأميركية ومفهومها عن النجاح والبطولة الفردية، بتصديرها نموذجًا ثقافيًا لرؤية محددة عن الإنسان، ونقل معرفة غير محايدة عن نموذج إنسان السوق الليبرالي الفردي، الذي يعرف نجاحه خارج الجماعة، ولا تربطه أي تقاطعات مع داخلها.
هذه الكتب تعد بنتائج سريعة: «غير حياتك في 30 يومًا»، «اصنع ثروتك في خطوات قليلة»، «أعد برمجة عقلك فورًا»، والعديد من العناوين الأخرى التي تطلب من الإنسان السرعة كتعبير عن ثقافة ترى الزمن موردًا اقتصاديًا يجب ضغطه إلى أقصى حد. لكن حين تنتقل هذه الفكرة إلى مجتمعات أخرى، ذات بنى اجتماعية أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل العائلة والقبيلة والوظيفة والالتزامات الأخلاقية، فإن هذه السرعة تصبح نوعًا من الاغتراب، فالتحول الإنساني في هذه السياقات لا يحدث بمعزل عن شبكة العلاقات، ولا يمكن اختزاله في «قرار فردي» معزول.
بافتراضها أن الإنسان كائن مستقل تمامًا، ويمتلك حرية كاملة في اتخاذ قراراته، فإنها تلقي الضوء على ما يبدو بديهيًا في السياق الأميركي، حيث يتم بناء السردية على فكرة أن الإنسان يصنع نفسه بنفسه، وأن نجاحه أو فشله هو نتيجة مباشرة لخياراته الشخصية. لكن في مجتمعات أخرى، يتشكل الفرد نتيجة تفاعلات مستمرة مع محيطه، بما يشتمل عليه من عائلة وتاريخ واقتصاد وقيود وفرص غير متكافئة. لذلك، حين تستورد هذه الكتب كما هي، فإنها تحمّل الفرد مسؤولية مطلقة، وتتجاهل الشروط الموضوعية التي تشكله، فتتحول «نصائح النجاح» إلى نوع من الضغط الأخلاقي الذي يحمّله المسؤولية الكاملة عن أسباب فشله أو نجاحه، باعتبار أن ذلك كامن في الشخص نفسه.
الوصفات التي تقدمها هذه الكتب تأتي عامة، كما لو أن الإنسان كائن متشابه في كل مكان. لكن العلاقات الإنسانية، ومعاني النجاح، وحتى معيار «الحياة الجيدة»، هي مفاهيم تختلف من ثقافة إلى أخرى. في بعض المجتمعات، النجاح ليس في الاستقلال الكامل، كما أنه لا يكمن في كسر القيود كلها، وإنما في القدرة على الحفاظ على التوازن بين الذات والآخرين، ومدى فهم أي القيود يمكن التفاوض حولها، وأيها جزء من الهوية.
هذه الكتب تبيع الوهم، وترسم فكرة النجاح وفق نموذج ثقافي محدد، لتصدره إلى العالم كما لو أنه «وصفة كونية»، فيصبح ما يبدو تحفيزًا فرديًا، خطابًا ثقافيًا مهيمنًا يحدد قيمًا بعينها مرتبطة بنمط اقتصادي واجتماعي معين.
كتب تطوير الذات، في صيغتها الرائجة، هي نصوص ثقافية «تعولم» الإنسان وفق نموذج واحد، وتفترض قابلية هذا النموذج للتعميم، متجاهلة الفوارق العميقة بين المجتمعات، بما يحولها إلى خطاب مضلل حين تقرأ خارج سياقها.







