المشاقبة يكتب: عيد الاستقلال الأردني… مسيرة دولة صنعت حضورها بالثبات والوعي
* الدكتور حازم خالد ابو عويضه المشاقبة - باحث في الإعلام الجماهيري.
في الخامس والعشرين من أيار، يقف الأردنيون أمام واحدة من أهم المحطات الوطنية في تاريخ الدولة الحديثة؛ يوم الاستقلال الذي لم يكن مجرد انتقال سياسي أو حدث بروتوكولي عابر، بل لحظة تأسيس لمسار دولة اختارت منذ بداياتها أن تبني مشروعها على الاستقرار، والاعتدال، وصلابة المؤسسات.
لقد شكّل الاستقلال الأردني نقطة تحول تاريخية نقلت البلاد من مرحلة التأسيس الأولي إلى مرحلة بناء الدولة ذات السيادة، حيث بدأت رحلة طويلة من العمل السياسي والإداري والعسكري والاقتصادي، وسط بيئة إقليمية معقدة ومتغيرة باستمرار. ورغم التحديات التي مرّت بها المنطقة لعقود، استطاع الأردن أن يحافظ على تماسكه الداخلي وأن يرسخ حضوره كدولة تمتلك رؤية متوازنة وقدرة عالية على إدارة الأزمات.
وعلى امتداد العقود الماضية، ارتبطت مسيرة الاستقلال بقيادة هاشمية أدركت مبكرًا أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بالإمكانات المادية، بل بقدرتها على حماية الهوية الوطنية، وصون مؤسساتها، والحفاظ على تماسك مجتمعها في ظل محيط إقليمي مضطرب. ومن هنا، أصبح الأردن نموذجًا في الاستقرار السياسي والانضباط المؤسسي، رغم محدودية الموارد وتعقيدات الجغرافيا السياسية.
كما أن الاحتفال بعيد الاستقلال لا يقتصر على استذكار الماضي، بل يمثل مناسبة وطنية لتأكيد الثقة بمسار الدولة الأردنية، وتجديد الإيمان بقدرتها على مواصلة التحديث والتطوير، خصوصًا في ظل التحولات العالمية المتسارعة التي تفرض على الدول تعزيز كفاءتها الاقتصادية والإدارية والمعرفية.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للمؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية، التي شكّلت على الدوام ركيزة أساسية في حماية الدولة والحفاظ على أمنها واستقرارها، إلى جانب المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية التي أسهمت في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الوعي المجتمعي.
إن استقلال بداية لمسؤولية تاريخية مستمرة، عنوانها بناء الدولة الحديثة القادرة على التكيف والصمود وتحقيق التوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات العصر. ولهذا يبقى عيد الاستقلال مناسبة تتجاوز الطابع الاحتفالي، لتتحول إلى لحظة وعي وطني تستحضر قيمة الدولة وأهمية الحفاظ على منجزاتها.
وفي زمن تتعرض فيه كثير من الدول لاختبارات التفكك والاضطراب، يواصل الأردن تقديم نفسه كدولة تعرف كيف تدير التحديات بعقلانية، وكيف تحافظ على استقرارها دون ضجيج، مستندًا إلى إرث سياسي متراكم، وقيادة تمتلك خبرة التعامل مع التحولات الكبرى، وشعب يدرك أن قوة الأوطان تبدأ من قوة تماسكها الداخلي.






