اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: الولايات المتحدة بين الهيمنة والتراجع..!

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


في مقاله الذي نشره الشهر الماضي والمعنون “هيمنة”؟ Hegemony? يناقش أستاذ العلاقات الدولية مايكل برينر Michael Brenner سؤالًا دائم التردد في الجدل السياسي الراهن –خاصة في الولايات المتحدة نفسها: هل تتراجع الهيمنة الأميركية حقًا، أم أن الحديث عن هذا التراجع يعبر عن قلق مفرط أكثر مما يعكس تحولًا ناجزًا في موقف هذه الدولة؟ ويبدأ الكاتب من محاولة تفكيك مفهوم “الهيمنة” نفسه وكيفية استخدامه في الخطاب السياسي والأكاديمي المعاصر.
 

يتصور برينر أن الاستخدام واسع النطاق لمفهوم الهيمنة أفقده دقته التحليلية. وهو يُستعمل في الأدبيات الصحفية والأكاديمية والسياسية للدلالة على معانٍ متباينة تتراوح بين السيطرة المطلقة، والتفوق النسبي، والقدرة على التأثير. ويرى أن التعريف الأصلح للهيمنة هي قدرة الدولة –أي دولة- على التحكم المستقر ببيئتها الخارجية بما يخدم مصالحها؛ بمعنى القدرة على تشكيل سلوك الآخرين وتوجيه مسارات النظام الدولي. ووفق هذا التصور، تصبح الهيمنة مرادفة تقريبًا للقدرة على الإكراه، أو التوجيه المنهجي للسلوك الدولي.
وإذن، هل وُجدت في أي يوم هيمنة مكتملة بهذا المعنى؟ يرى برينر أن أقرب تصور نظري لها ظهر بعد نهاية الحرب الباردة، خصوصًا في “مذكرة وولفويتز” في العام 1991، التي عبّرت عن رؤية أميركية لعالم يحتفظ فيه الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، بتفوق مطلق يمنع ظهور أي منافس استراتيجي. وخلال التسعينيات وبدايات الألفية، بدا أن هذا التصور يقترب من التحقق الواقعي، مع تحوّل الولايات المتحدة لتكون القوة العظمى الوحيدة -أو ما سُمي بـ”القوة الفائقة”.
لكنّ هذه اللحظة الأميركية لم تكن طويلة. ثمة مجموعة من العوامل -منها هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، ثم الحروب الطويلة في الشرق الأوسط، إلى جانب عودة روسيا بقيادة فلاديمير بوتين، وصعود الصين كقوة اقتصادية وجيوسياسية كبرى- تدخلت لإعادة تشكيل المشهد الدولي، واستنطاق فكرة التفوق الأميركي غير المحدود. وقد أسست هذه التغيرات لشيوع سردية تتحدث عن دخول العالم مرحلة “ما بعد الهيمنة الأميركية”.
يعارض برينر هذه السردية. على النقيض من الرؤى التي تعد ما يحدث تراجعًا حقيقيًا في القوة الأميركية، يرى أن هذا التقدير هو أقرب إلى “تضخيم إدراكي” لمخاوف خسران التفوق. ويقيم تفسيره على تحليل تجريبي لمؤشرات القوة في ثلاثة مجالات أساسية: الاقتصاد، والوضع العسكري، والسياسة.
اقتصاديًا، يؤكد برينر أن الولايات المتحدة ما تزال تحتل موقعًا مركزيًا في النظام العالمي. إنها تستطيع استخدام منظومة العقوبات المالية بفاعلية عالية. وهي تتحكم في الوصول إلى النظام المصرفي العالمي، وتوظيف التجارة والاستثمار كأدوات ضغط سياسي. كما يمنحها استمرار هيمنة الدولار قدرة لا تُضاهى على التأثير في الاقتصادات الأخرى -بما في ذلك تلك التي تحاول تقليل اعتمادها على النظام المالي الأميركي. وحتى عندما تظهر محاولات لتحدي هذا النظام، فإن كلفة الانفصال عنه تظل مرتفعة جدًا، بما يعزز استمرار النفوذ الأميركي.
ويرى برينر أن التفوق الأميركي الأكثر وضوحًا يتجلى في المجال العسكري. وعلى هذا الصعيد، تمتلك الولايات المتحدة شبكة عالمية واسعة من القواعد العسكرية؛ وتتمتع بتحالفات استراتيجية تمتد عبر أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، تسندها قدرات لوجستية واستخباراتية لا تدانيها أي قوة أخرى. كما تمنحها قدرتها على نشر القوات وممارسة القوة بسرعة في مناطق متعددة من العالم تفوقًا عملياتيًا دائمًا. ويشكل حلف الناتو مُضاعِف قوة إضافيًا لتعزيز النفوذ الأميركي العالمي.
وعلى المستوى السياسي، يشير برينر إلى استمرار قدرة واشنطن على التأثير في قرارات العديد من الدول باستخدام أدوات متنوعة: الضغط الدبلوماسي؛ والحوافز الاقتصادية؛ والضمانات الأمنية؛ والتأثير داخل المؤسسات الدولية. ووفق هذا التصور، سيبدو الحديث عن نهاية النفوذ الأميركي سابقًا لأوانه، باعتبار استمرار الولايات المتحدة في لعب دور محوري في صياغة القرارات ذات الأبعاد العالمية.
مع ذلك، لا ينكر برينر حقيقة أن النظام الدولي يشهد حقًا تحولات مهمة. هناك صعود مجموعة “بريكس”، وتزايد استخدام العملات البديلة، وتعميق التعاون بين روسيا والصين –وهي كلها مؤشرات على اتجاه متنامٍ نحو المزيد من التعددية القطبية. لكنه يرى أن هذه التحولات –على أهميتها- لم تصل بعد إلى مستوى إنتاج نظام دولي بديل قادر على إزاحة الهيمنة الأميركية -أو حتى موازنتها بما يكفي. ما تزال الفجوة في القدرات كبيرة، حتى ولو أنها تتقلص تدريجيًا.
على الرغم من تحليله الذي يستبعد فكرة تراجع القوة الأميركية، يوجه برينر نقدًا مهمًا للسياسة الأميركية. ويرى أن القلق من فقدان الهيمنة ربما يدفع واشنطن إلى انتهاج سياسات أكثر اندفاعًا وعدوانية. وكما يحدث، بدلًا من إدارة التحولات الدولية بمرونة، تميل الولايات المتحدة إلى استخدام العقوبات والضغوط الاقتصادية والتدخلات العسكرية كوسائل للحفاظ على موقعها. وهي استراتيجية قد تأتي بنتائج عكسية.
على سبيل المثال، ساهمت محاولة احتواء الصين وروسيا في آن واحد في دفعهما إلى تعميق التعاون الاستراتيجي بينهما -وهو ما ينطوي على إمكانية تسريع التحول الذي تسعى واشنطن إلى منعه. ويشير برينر إلى مفارقة تاريخية متكررة في هذا الإطار: غالبًا ما تساهم القوى المهيمنة، من خلال سياساتها الدفاعية المفرطة، في صنع نفس التهديدات التي تخشاها وتحاول إحباطها.
وفق هذا الفهم، صحيح أن هناك خطرًا على الولايات المتحدة في صعود منافسين خارجيين؛ لكن الخطر الأكبر يأتي في الإفراط في استخدام القوة نفسه. قد يؤدي التوسع في العقوبات، وتوسيع نطاق المواجهات الجيوسياسية، ومحاولة فرض النظام بدلًا من التأثير فيه، إلى إنهاك النفوذ الأميركي بدلًا من تعزيزه.
لا يطمئن برينر المتطلعين إلى أفول الهيمنة الأميركية وقدوم عالم ما بعد أميركا. لكنه يرى أن النظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية سماتها السيولة وعدم اليقين. ثمة موازين القوى تتغير، لكنها لم تتبلور بعد في شكل نموذج بديل متماسك. وما تزال القوة الأميركية كبيرة ومؤثرة، لكنها لم تعد تلك القوة غير المحدودة التي كانتها في التسعينيات أيضًا. ويتساءل برينر في ختام نقاشه عما إذا كانت الهيمنة واقعًا قابلاً للاستمرار من الأساس، أم أنها مجرد تصور مبالغ فيه لإمكانية السيطرة الكاملة على عالم معقد. ويخلص إلى أن المشكلة قد لا تكمن في تراجع أميركا بقدر ما تكمن في وهم إمكانية تحقيق الهيمنة المطلقة –الوهم الذي ربما يكون سه واحدًا من أهم عوامل تقويضها على المدى الطويل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية