أبو طير يكتب: مهلا أيها الرئيس في دمشق
ماهر أبو طير
يخرج الرئيس الأميركي مرتين ليتحدث عن حل عبقري من حلوله المعتادة، مقترحا تدخل الدولة السورية في لبنان لوضع حد لحزب الله، ومجاهرا بأنه طرح هذا الأمر على تل أبيب، بحيث تتولى دمشق ملف الحزب ومقاتليه.
هذا ليس عبثا، لأننا أمام معادلة جديدة جرى تصنيعها، من خلال اعتراف الرئيس الأميركي بالنظام السوري الجديد، ذي الخلفية الجهادية السنية، والذي يراد له اليوم أن يتورط في لبنان ضد تنظيم عسكري شيعي يقاتل إسرائيل، وكأن دمشق باتت هنا وكيلا عن الاحتلال، تقاتل نيابة عنه في لبنان، وتتورط في حرب أهلية ممتدة قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأسرها.
وقد أعلنت دمشق الرسمية أكثر من مرة رفضها التدخل ضد حزب الله في لبنان، وهو موقف إيجابي، لكن الأزمة قد تكمن في تهيئة ظروف تجعل هذا التدخل إجباريا في نهاية المطاف، بما قد يقود المنطقة إلى كارثة دموية جديدة في بلاد الشام.
النظام السوري يواجه خطرا إذا حاول التهرب من هذه المهمة المعلنة، إذ قد يتعرض بعض رموزه للاستهداف، وفي المقابل، إذا تورط في لبنان، فقد يكون قد انتحر سياسيا وعسكريا على الساحة اللبنانية، في وقت تتعرض فيه بلاده أصلا للاحتلال الإسرائيلي، وتواجه مشاريع تقسيم وضغوطا إقليمية متزايدة، ولا ينقصها فتح جبهات جديدة خارج حدودها، حتى لو كانت مدعومة ماليا.
ولا يمكن أن تتدخل الدولة السورية في لبنان بهذه البساطة ودون مقدمات، في بلد عربي عانى تاريخيا من التدخل السوري في عهد حافظ الأسد ونجله بشار. فقد يجري افتعال حادث أمني كبير داخل سورية، أو تنفيذ محاولة اغتيال تُنسب إلى حزب الله، أو افتعال حادثة أمنية على الحدود السورية اللبنانية، أو حتى تورط جهات مجهولة في أعمال دموية ضد اللاجئين السوريين في لبنان، ثم تحميل حزب الله المسؤولية، بما يدفع دمشق الرسمية إلى التدخل العسكري.
وفي سيناريو آخر، قد تطلب الدولة اللبنانية رسميا تدخلا عسكريا سوريا عبر القنوات الرسمية، وهو احتمال إضافي ينبغي أخذه في الحسبان ضمن الحسابات الإستراتيجية، بهدف توفير غطاء قانوني وسياسي لتدخل الدولة السورية في لبنان ضد حزب الله وقواته.
والأخطر من كل ذلك أن يحدث التدخل بعيدا عن هذه السيناريوهات، عبر تحريك الجماعات الجهادية السنية التي قاتلت إلى جانب النظام الجديد في سورية، والتي يتجاوز عدد أفرادها أربعين ألف شخص، وأغلبهم من غير العرب، لدخول لبنان عبر الحدود الشرقية أو الشمالية أو حتى الجنوبية، والانخراط في قتال حزب الله وقواه العسكرية، في إطار هدف أميركي وإسرائيلي غير معلن يتمثل في التخلص من هذه الجماعات داخل ساحة القتال اللبنانية.
ولن تحتاج إسرائيل، في هذه الحالة، إلا إلى حادثة أمنية تستهدف سنة لبنان أو اللاجئين السوريين السنة فيه، مع تحميل حزب الله المسؤولية، لإثارة رد فعل تحت عنوان الدفاع عن السنة في لبنان، بينما تكون الفاتورة النهائية في مصلحة إسرائيل أولا وأخيرا.
إن من يخطط للمنطقة يسعى إلى إشعال حرب مذهبية، لأن أي تورط سوري في لبنان ضد حزب الله قد يؤدي إلى تحرك العلويين في سورية ضد النظام، اصطفافا مع الحزب، كما قد يدفع آلاف المقاتلين من الفصائل الشيعية العراقية إلى التسلل نحو سورية لتخفيف الضغط عن حزب الله، وعندها ستختلط الأوراق كافة، ونكون أمام معركة مدمرة يقتل فيها أبناء المنطقة بعضهم بعضا على أسس مذهبية، وتمتد من سورية إلى لبنان والعراق، وربما إلى دول أخرى.
ما يمكن قوله هنا إن على النظام السوري أن يبقى بمنأى عن حروب واشنطن وتل أبيب في لبنان، ويكفيه العمل على إعادة سورية إلى واقعها الطبيعي، وهي مهمة شاقة ومرهقة. كما ينبغي له أن يتجنب الضغوط السياسية وإغراءات الدعم المالي والاقتصادي، دون أن نغفل أن أي تدخل سوري في لبنان سيؤدي أيضا إلى انقسام حاد واقتتال بين المكونات اللبنانية، التي لا تجتمع على رأي واحد حتى في الظروف العادية، فكيف إذا تعلق الأمر بأزمة بهذا الحجم؟
أيها الرئيس في دمشق، إن هذه الوصفات ليست إلا طريقا إلى نحر سورية الجديدة، ولبنان أيضا.







