العثامنة يكتب: المشاريع الكبرى.. حين تصنع الدولة ما لا يظهر في خرائطها

{title}
أخبار الأردن -

 

مالك العثامنة


قيمة المشاريع الكبرى في الأردن ليست محصورة في وظيفتها المباشرة، ولا في الخدمة التي تقدمها للقطاع الذي تحمل اسمه، فمشروع النقل ليس مجرد قطار، ومشروع المياه ليس مجرد أنبوب، والمدينة الجديدة ليست مجرد مخطط عمراني، بل هي في جوهرها قرار سياسي واقتصادي بإعادة توزيع الحياة على الجغرافيا، وبناء مسارات جديدة للتنمية لم تكن موجودة من قبل.
 

الدول لا تقيس نجاح المشاريع الكبرى فقط بكمية المياه التي تضخ، أو بعدد الركاب الذين ينقلهم القطار، بل بما تخلقه هذه المشاريع من اقتصاد إضافي غير مرئي في البداية، اقتصاد ينمو على هامش المشروع، ثم يتحول مع الوقت إلى جزء من بنيته الأساسية، ولذلك فإن الأثر الحقيقي لأي مشروع استراتيجي يبدأ بعد تشغيله، لا عند افتتاحه.
لو أخذنا مشروع السكك الحديدية مثلا، فهو في ظاهره مشروع نقل لوجستي، هدفه تسهيل حركة البضائع والركاب، لكنه في عمقه مشروع إعادة تشكيل للخريطة الاقتصادية، فالسكك لا تمر في الأرض مرور العابر، بل تترك خلفها حياة، فحيث توجد محطة، تنشأ خدمات، وحيث يصبح الوصول سهلا، ترتفع قيمة الأرض، وحيث ترتفع القيمة، تبدأ الاستثمارات، وهكذا تتحول نقطة صغيرة على الخريطة إلى نواة لمدينة أو منطقة صناعية أو مركز تجاري، ليس لأن الدولة خططت لذلك بالتفصيل، بل لأن البنية التحتية سبقت الاستثمار وفتحَت له الطريق.
الأمر ذاته ينطبق على مشروع الناقل الوطني للمياه، الذي يُقرأ غالبا بوصفه مشروعا لتأمين المياه، وهو كذلك بلا شك، لكنه في الوقت نفسه مشروع صناعي وتقني بامتياز، لأن تنفيذه يتطلب صناعات جديدة، وخبرات هندسية متقدمة، وسلاسل توريد معقدة، من مصانع الأنابيب إلى تقنيات العزل والضخ والمعالجة، وهذه ليست صناعات بسيطة كما قد تبدو، فالأنبوب اليوم لم يعد قطعة معدنية مجوفة، بل منتجا هندسيا عالي الدقة، يصمم وفق معايير مختلفة بحسب طبيعة السائل والضغط وبيئة التشغيل، وهذا يعني أن إنشاء هذه الصناعات لخدمة المشروع يمكن أن يتحول لاحقا إلى فرصة تصدير للخبرة والتقنية، تماما كما فعلت دول بدأت بمشاريع داخلية ثم وجدت نفسها تبيع المعرفة للخارج.
حتى مشروع المدينة الجديدة في عمرة، الذي ما يزال في مراحله الأولى، لا ينبغي النظر إليه باعتباره توسعا عمرانيا فقط، بل باعتباره رسالة سياسية بأن الدولة قررت إحياء الأرض، وهذه الجملة وحدها كفيلة بتغيير سلوك السوق، لأن الاستثمار لا يذهب إلى المكان، بل إلى القرار، وحين تعلن الدولة أن هذه الأرض ستصبح مدينة، فإنها في الحقيقة تعلن أن هذه المنطقة ستدخل دائرة الضوء الاقتصادي، وأن ما يبدو اليوم أرضا صامتة قد يصبح غدا مركزا لحياة كاملة، من المدارس إلى المستشفيات إلى الشركات الصغيرة التي تنمو حول السكان.
هنا تكمن الفكرة الأوسع للمشاريع الكبرى، فهي ليست مجرد حلول لمشكلة قائمة، بل أدوات لصناعة واقع جديد، وهي لا تنتهي عند تحقيق هدفها المباشر، بل تبدأ عنده، لأن كل مشروع استراتيجي ناجح يخلق حوله طبقات من الفرص، بعضها متوقع، وبعضها لا يظهر إلا بعد سنوات، حين يكتشف المجتمع أن الطريق الذي شقته الدولة لم يكن مجرد طريق، بل بداية قصة تنموية جديدة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية