التل يكتب: من اختناق العقبة إلى فرصة تاريخية: كيف يحول الأردن الأزمة إلى اقتصاد دائم؟

{title}
أخبار الأردن -

 

د.مصطفى التل

ما يحدث اليوم على طريق العقبة لم يعد مجرد ازدحام مروري يمكن تفسيره بزيادة عابرة في أعداد الشاحنات، بل هو تحول أعمق بكثير.

 

هذا الازدحام  يكشف أن الأردن وجد نفسه فجأة في قلب معادلة تجارية إقليمية جديدة, طوابير الشاحنات الممتدة ليست مشكلة بحد ذاتها، بل إشارة واضحة إلى أن مساراً اقتصادياً يتشكل على الأسفلت، وأن السؤال لم يعد كيف ننهي الازدحام، بل كيف نستثمر هذا الازدحام نفسه؟!


خلال الأشهر الأخيرة  تقاطعت عدة عوامل إقليمية دفعت بهذا الاتجاه, التوترات التي أثرت على الملاحة في مضيق هرمز رفعت كلفة الشحن والتأمين، مما دفع بعض التدفقات التجارية للبحث عن مسارات بديلة, بالتوازي  بدأت سوريا تستعيد دورها كمعبر بري، فأعيد إحياء فكرة الربط البري بين الجنوب والشمال.

وبين هذين المتغيرين  برزت  العقبة كميناء مستقر نسبياً وقادر على استقبال هذا التحول، ولو بشكل جزئي ومؤقت.

لكن السؤال الأصعب هو: هل سيبقى الأردن مجرد "ممر"  سيتركه التجار خلف ظهورهم بمجرد عودة الهدوء إلى هرمز، أم سيتحول إلى "وجهة لوجستية" يعاد منها توزيع البضائع على منطقة بأكملها؟!

تحويل هذا الواقع إلى مكسب اقتصادي دائم ليس أمراً تلقائياً,  فالتجربة العالمية تقول إن الدول لا تربح من كونها ممرات عبور، بل من قدرتها على تحويل العبور إلى خدمة، والخدمة إلى صناعة.

هنا تبرز أربع محاور لا بد من العمل عليها بشكل متوازٍ:

أولاً:  يجب التعامل مع الاختناق المادي نفسه, ما نشهده اليوم يكشف ببساطة أن البنية التحتية الحالية لم تصمم لهذا الحجم من الحركة. 
توسعة الطريق الصحراوي لم تعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة مباشرة, لكن الأهم من التوسعة هو إعادة تنظيم الحركة : مسارات مخصصة للشاحنات، ومناطق انتظار خارج المدينة، ومراكز تفتيش مسبق تمنع تكدس الشاحنات داخل العقبة,  فإدارة التدفق لا تقل أهمية عن توسيع الطريق، وكثيراً ما تكون أقل كلفة وأسرع أثراً.


ثانياً:  تكمن الفرصة الحقيقية في التخزين وإعادة التوزيع,  المنطقة تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ومع ارتفاع تكاليف الشحن في بعض المسارات البحرية، يمكن للعقبة أن تتحول إلى نقطة تخزين إقليمية، حيث تُخزن البضائع ثم تُعاد توزيعها براً حسب الحاجة.

هذا النموذج ليس جديداً، فقد نجحت به دبي وجبل علي لعقود، لكنه يتطلب حوافز واضحة: بيئة ضريبية مشجعة، وإجراءات جمركية سريعة، وبنية لوجستية متكاملة من مستودعات وتبريد ومناولة.


ثالثاً:  فيما يتعلق بالربط الإقليمي، فإن إعادة فتح المسارات البرية عبر سوريا تفتح الباب أمام ربط العقبة بالأسواق الشمالية، وصولاً إلى تركيا وأوروبا.

لكن هذه الفرصة مشروطة بعاملين حاسمين : الكفاءة والسرعة, أي تعقيد إداري أو تأخير على الحدود كفيل بإفشال الميزة التنافسية بالكامل، لأن شركات النقل لا تبحث عن الأقرب جغرافياً فقط، بل عن الأسرع والأقل تكلفة.

وهنا يظهر دور "الممر الأخضر" الإلكتروني للشاحنات العابرة الذي لا يتوقف إلا للتفتيش مرة واحدة.

 

رابعاً: وفي العمق تكمن المشكلة الأكبر : الإجراءات, في عالم اللوجستيات  الوقت هو العملة الحقيقية، وكل ساعة تأخير تعني كلفة إضافية,  وكل نقطة تفتيش غير ضرورية قد تدفع الشركة لتغيير المسار بالكامل.

لذلك  فإن تبسيط الإجراءات عبر نظام النافذة الواحدة، وتوحيد الجهات الرقابية، وإنشاء مسارات خضراء للشاحنات العابرة، ليس مجرد إصلاح إداري بل هو شرط البقاء لدخول هذا القطاع والمنافسة فيه.


في المقابل لا يمكن تجاهل التحديات ,  فالمنافسة الإقليمية قوية  خاصة من موانئ مثل ميناء مرسين التركي الذي يمتلك بنية تحتية متقدمة وشبكات ربط برية وبحرية فعالة.

كما أن النقل البحري سيبقى، في كثير من الحالات، أرخص من النقل البري لمسافات طويلة.

ويضاف إلى ذلك اعتبارات الاستقرار الإقليمي، التي تؤثر مباشرة على استدامة هذه المسارات.

هذه العوامل تعني أن الفرصة الحالية قد تكون مؤقتة، وليست تحولاً دائماً بحد ذاته, ولهذا السبب، يجب التفكير على مستويين زمنيين مختلفين:


على المدى القصير  المطلوب هو إدارة التدفق الحالي بكفاءة، وفرض رسوم عبور ذكية، وتحقيق أكبر قيمة ممكنة من الخدمات المصاحبة : التموين، الصيانة، التخزين المؤقت، والوساطة الجمركية.


أما على المدى الطويل، فالمعادلة مختلفة تماماً : الاستثمار في مشاريع استراتيجية كالسكك الحديدية الإقليمية، وأنبوب النفط البصرة-العقبة، وموانئ جافة داخل العراق وسوريا تابعة إدارياً للعقبة, هذه المشاريع لا تحل أزمة اليوم، لكنها تحدد موقع الأردن في خريطة الغد.


في النهاية  ما يحدث على طريق العقبة ليس خللاً في النظام، بل اختبار حقيقي له,  فالأردن أمام فرصة تاريخية لا تتكرر كل يوم، لكنها ليست مضمونة, فبمجرد تغير الظروف الإقليمية وعودة الهدوء إلى هرمز، قد تعود المسارات التقليدية إلى الواجهة بسرعة.

ما سيبقى حينها ليس عدد الشاحنات التي مرت، بل ما إذا كان الأردن قد نجح في تحويل هذا الزخم المؤقت إلى منظومة لوجستية دائمة قادرة على المنافسة حتى في الأوقات العادية.

الازدحام الذي نراه اليوم قد يكون مشكلة عابرة، أو قد يكون بذرة صناعة دائمة. والفرق بين الاثنين ليس في الجغرافيا ولا في حجم الشاحنات، بل في قرار نتخذه اليوم: هل نكتفي بإدارة الأزمة، أم نبني عليها اقتصاداً للمستقبل؟!

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية