اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الكشكي يكتب: حان وقت الاستراحة

{title}
أخبار الأردن -

 

جمال الكشكي


الدول الوازنة والمسؤولة في الشرق الأوسط ترغب في استراحة طويلة من لعبة الحروب، فالسجل حافل طوال قرن، تضخم بالغزو مرة، وبحروب الفوضى مرات، وجرى العبث باستقراره دائمًا.
 

في الخمسينيات والستينيات بدا أنه استراح قليلًا بعد الاستقلال القصير، لكنه عاد إلى أجواء الحروب منذ نهاية تلك الحقبة، وتواصل الاحتلال الخارجي والغزو والحروب الأهلية والحروب الطويلة.
الحرب الأهلية في لبنان خمسة عشر عامًا، وبين العراق وإيران ثمانية أعوام، وكانت الفادحة الكبرى حين غزا العراق دولة الكويت في (أغسطس) 1990 وقرر ضمها إليه، في مفارقة فتحت أبواب الجحيم على المنطقة العربية، وبلغت ذروتها في حربين كبيرتين في الخليج: الأولى «عاصفة الصحراء» لتحرير الكويت، والثانية غزو العراق نفسه، واستباحة أراضيه وجعله منصة لتغيير الشرق الأوسط، فيما عرف بـ»الربيع العربي»، ذلك المسمى الغربي الذي تلقفته جماعات وتنظيمات أشاعت الفوضى في جنباته، وبلغت ذروتها يوم السابع من (أكتوبر) 2023 بمحطاته الفادحة، إلى أن باتت إيران وإسرائيل بمساعدة أميركا تستبيحان سماوات المنطقة العربية.
تمخض كل هذا عن محطة إسلام آباد في باكستان، التي دارت على أرضها مفاوضات أشبه بالصفقة بين إيران وأميركا، وقد يكون التوقيع في دولة أوروبية كسويسرا، أو تظل حالة الاستنزاف مستمرة، وهذا ما يعمل عليه نتنياهو، لأن الحرب لو توقفت لخرجت إسرائيل مدماة خاسرة، فأهدافها وأحلامها تحطمت على قوة الجغرافيا، إذ لا يمكن لدولة بهذا الحجم أن تقود عموم الإقليم.
إذن، الدول الوازنة والمسؤولة يجب أن تشكل أذرعا دبلوماسية، وأعتقد أنها ستختار الطريق الذي يفضي إلى حماية مقدرات المنطقة، بعد أن اكتشفت اللعبة الكبرى لإسرائيل والتدخلات الأميركية، وأدركت أن حماية مقدرات الشعوب تستلزم صون الثروات البشرية والطبيعية والممرات والمضايق والطاقة.
في اعتقادي أن ترتيبًا يجري بين الدول الكبيرة حجمًا وتاريخًا لصياغة مبادرة إقليمية، تقوم على ضرورة الأمن الجماعي، وعدم الارتكان إلى أي قوة عالمية، لا نقول نناطح هذه القوى، ولكن يجب أن نبحث عن حصانة ذاتية، غابت طويلًا بسبب الافتراق في السياسات الأحادية التي انتهجتها دول الإقليم، دون أن تعي خطر اللعبة التي أعلنها نتنياهو في لحظة ظن فيها أن المنطقة رخوة وقابلة للتشكيل.
هذه حرب لا تشبه غيرها، فهي من نوعية المعارك التي يتشكل بعدها تصور سياسي مختلف عمّا قبلها، وأعتقد أن جميع الأطراف، بما فيها الولايات المتحدة وإيران، باتت تدرك أنه لا يمكن رهن الإقليم لمصالح لا تخص أبناءه ولا مستقبلهم ولا طموحاتهم.
وقد فهمت أوروبا نفسها كيف تخلى عنها الحليف الأكبر، في لحظة تدور على أراضيها حرب كبرى بين روسيا وأوكرانيا، وكيف يمكن أن تتعرض لاقتصاد صعب جراء فرض جمارك وضرائب أميركية عليها، وكيف تركتها واشنطن وحيدة في مواجهة الدب الروسي.
وكان نتنياهو يعتقد أن ثمة فرصة سانحة لاجتياح الشرق الأوسط، من خلال دعم متواصل من الولايات المتحدة، لكن الشارع الأميركي وحتى بعض السياسيين تعلموا من درس فيتنام وأفغانستان والعراق، وأدركوا المعنى الكبير لخطر التوسع والامتداد خارج أراضيهم، وقد نجح الرئيس دونالد ترامب برفعه هذا الشعار، ليصبح الرئيس السابع والأربعين.
ولكن، مع ذلك، وقعوا في الخطأ المتكرر، ودفعت الأحداث والتصورات إلى اندفاع يتشابه مع سياسة أميركية كانت سائدة طويلًا، غير أن الرمال العالمية المتحركة كشفت أن استعادة التاريخ، بحذافيره في زمن متغير، لن تكون سوى مهزلة، تضع أميركا على محك الخطر.
من ثم باتت المبادرة الإقليمية العاجلة ضرورة سياسية قصوى، فالإقليم الذي استنزفت ثرواته وأهدرت دماء أبنائه، وتقاسمته القوى الكبرى نفوذًا وسياسة، لم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار.
هذه المبادرة ينبغي أن تقوم على ركائز واضحة، أولها ميثاق أمن جماعي يجرم التدخل الخارجي في شؤون دول الإقليم ويجعله خطًا أحمر لا تفاوض عليه، وثانيها منظومة اقتصادية مشتركة تحمي الممرات المائية والثروات الطبيعية وتجعلها رافعة للشعوب وليس سببًا للصراعات التي تهدر المقدرات، وثالثها آلية دبلوماسية دائمة لفض النزاعات البينية بعيدًا عن الوصاية الدولية.
والشروط الأساسية لنجاح هذه المبادرة أن تنبع من إرادة أبناء الإقليم أنفسهم، وأن تتجاوز حسابات الأنظمة الضيقة، نحو رؤية إستراتيجية تصون كرامة الشعوب وتعيد للمنطقة زمام قرارها المسلوب، فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تتأخر في صياغة مصيرها، وما يبنى اليوم من توافق إقليمي سيكون الدرع التي تكسر مخططات من يراهنون على استمرار الفوضى.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية