جريمة الكرك... تحولات كارثية في القيم الأسرية وجرائم انتقامية ذات بعد متوحش

{title}
أخبار الأردن -

 

•    جريمة الكرك تمثل انزلاقًا كارثيًا في القيم الأسرية وهي من أكثر أنماط العنف الاجتماعي صدمة

•    سجّل الأردن خلال عام 2025 نحو 17 جريمة أسرية أفضت إلى 20 حالة وفاة، بينهم 13 أنثى و7 ذكور

•    هناك تصوّرات مشوّهة لدى بعض الآباء، تقوم على وهم "الملكية المطلقة" للأبناء

•    غياب الصبر وارتفاع الضغوط النفسية قد تدفع بعض الأفراد إلى تجاوز الحدود الإنسانية، وصولًا إلى ارتكاب جرائم ذات طابع "انتقامي"

•    هناك انتقال من السلوك الإنساني إلى حالة من "التوحّش الاجتماعي" الذي يفقد فيه الفرد بوصلته الأخلاقية بالكامل

•    الأطفال لا يجب – تحت أي ظرف – أن يتحولوا إلى أدوات تصفية حسابات بين الوالدين

•    تجاهل معالجة الخلافات يراكم أزمات صامتة قد تنفجر بأشكال مأساوية

قال أستاذ علم الاجتماع الأستاذ الدكتور حسين الخزاعي إن الجريمة المروّعة التي شهدتها محافظة الكرك، والتي أقدم فيها أب على قتل أطفاله الثلاثة بدافع الانتقام من والدتهم، تمثّل انزلاقًا كارثيًا ضمن ما يُعرف بالجرائم الأسرية، وهي من أكثر أنماط العنف الاجتماعي صدمةً، لما تنطوي عليه من انقلاب جذري في منظومة الأمان داخل الأسرة.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن خطورة هذا النوع من الجرائم تكمن في طبيعة الفاعل ذاته، حيث يكون الجاني – في غالب الأحيان – أحد الوالدين، أي الطرف المفترض أن يشكّل الحاضنة النفسية والوجدانية للأبناء، لا مصدر التهديد لهم، ما يعكس خللًا عميقًا في البنية القيمية والضبط الاجتماعي.

وبيّن الخزاعي أن المعطيات الإحصائية تعزّز هذا القلق؛ إذ سجّل الأردن خلال عام 2025 نحو 17 جريمة أسرية أفضت إلى 20 حالة وفاة، بينهم 13 أنثى و7 ذكور، وهي أرقام متقاربة مع الأعوام السابقة، بما يدل على نمط شبه مستقر من العنف الكامن، الذي غالبًا ما يكون الأطفال ضحيته الأضعف رغم براءتهم المطلقة من الصراعات الأسرية.

ولفت إلى أن أحد أخطر المحرّكات يتمثل في ترسّخ تصوّرات مشوّهة لدى بعض الآباء، تقوم على وهم "الملكية المطلقة" للأبناء والزوجة، لممارسة السيطرة والعنف، وهو ما يفتح الباب أمام تحوّل الخلافات الأسرية إلى سلوكيات انتقامية مدمّرة.

ونوّه الخزاعي إلى أن هناك فهمًا قاصرًا يتعامل مع النزاعات العائلية بوصفها شأنًا خاصًا مغلقًا، لا يجوز التدخل فيه، في حين أن هذا الانكفاء المجتمعي يساهم – بشكل غير مباشر – في تفاقم الأزمات حتى تصل إلى مراحل الانفجار، مشددًا على أن التدخل الاجتماعي الواعي قد يشكّل صمام أمان حقيقي قبل الانهيار.

وأضاف أن إطالة أمد الخلافات الزوجية، في ظل غياب الصبر وارتفاع الضغوط النفسية، قد تدفع بعض الأفراد إلى تجاوز الحدود الإنسانية، وصولًا إلى ارتكاب جرائم ذات طابع "انتقامي"، كما حدث في الكرك، واصفًا ذلك بأنه انتقال من السلوك الإنساني إلى حالة من "التوحّش الاجتماعي" الذي يفقد فيه الفرد بوصلته الأخلاقية بالكامل.

وأشار إلى أن نحو 80% من الخلافات الأسرية يمكن احتواؤها داخل الإطار المنزلي عبر الحوار والتفاهم، في حين أن التدخلات الخارجية غير المنضبطة قد تؤدي أحيانًا إلى تعقيد المشهد بدل حله، ما يستدعي مقاربة متوازنة بين الخصوصية والتدخل المسؤول.

وفي سياق موازٍ، شدّد الخزاعي على ضرورة تقديم دعم نفسي عاجل لوالدة الأطفال، محذرًا من التداعيات العميقة للصدمة التي قد تهدد استقرارها النفسي وربما حياتها، مضيفًا أن الأطفال لا يجب – تحت أي ظرف – أن يتحولوا إلى أدوات تصفية حسابات بين الوالدين.
وكشف عن مؤشرات اجتماعية مقلقة تعكس تصدعات متزايدة في البنية الأسرية؛ إذ بلغت نسبة الطلاق قبل الدخول نحو 74%، فيما سُجّل ما يقارب 381 ألف قضية تنفيذية، إلى جانب 134 ألف قضية في المحاكم الشرعية خلال عام 2024 ارتفعت إلى 173 ألف قضية مع القضايا الواردة، في حين أن 33% من الأطراف المتنازعة لا تُبدي رغبة في الصلح، وهو ما يعكس تصدّعًا متناميًا في ثقافة التماسك الأسري.

وخلص إلى أن بناء الأسرة يقوم على حسن الاختيار والتفاهم العميق، محذرًا من أن تجاهل معالجة الخلافات يراكم أزمات صامتة قد تنفجر بأشكال مأساوية، مؤكدًا أن الحفاظ على الأسرة مسؤولية تشاركية لا تحتمل الانهيار، وأن أي اختلال فيها قد يتحوّل إلى تهديد مباشر للنسيج الاجتماعي بأكمله.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية