الرواشدة يكتب: الأردني الأصيل والأردني البديل .. يا خسارة
حسين الرواشدة
أسوأ وصفة يمكن أن نصرفها لمواجهة هذا الواقع الصعب الذي يمر فيه بلدنا هي وصفة التصنيف أو التقسيم على أي أساس، ديني أو وطني أو جغرافي، ليس فقط لأن تجربة غيرنا مع هذه الوصفات قاتلة ومفزعة، وإنما لأن مثل هذه القابلية أصبحت، للأسف، واردة لدينا وموجودة، وخاصة بالمجال السياسي الذي يفترض ألا يقع الفاعلون فيه بهذا «الفخ»، باعتبارهم المعنيين بتحصين المجتمع، وضبط حركته، وضمان استقراره.
مع بروز أحكام (اتهامات) التصنيف المتبادلة ومحاولات التمييز ، وكذلك الإساءات والتشكيك بالدولة التي يتبناها البعض، ويسكت عنها الآخرون، سنكون أمام مفاصلة خطيرة تفرز من الدولة والمجتمع أسوأ ما فيهما، لأن التقسيم او التشكيك على مستوى النخب سيستدعي بالضرورة اصطفافات اجتماعية قائمة على الهوية والديموغرافيا والدين، وسيطرح أسئلة عديدة، منها: من هو الأردني الأصيل والأردني البديل، ومن هو الوطني وغير الوطني، يا خسارة ، هذه أسئلة « قروسطية» مزدحمة بالرمزيات والأحداث التاريخية الملغومة.
عندئذ، لنا ان نتصور، ، لو أن مجتمعنا تعرض لحدث كبير -لا سمح الله -، أو داهمته أزمة ( وما اكثرها الأزمات القادمة) كيف يمكن ان نتوحد، كأردنيين، لمواجهة ذلك، في ظل تراجع الثقة بيننا، وانكشاف اجنداتنا، وحدة خطاب الكراهية الذي يتبناه بعضنا ضد بعضنا، لا أقول ضد الآخر.
ما العمل ؟ لقد «تعبنا» على مدى السنوات الماضية من «التنظير» في قضايانا، وانشغلنا كثيرا بالحوارات والسجالات واعطاء الوصفات والاقتراحات التي لم يَرَ غالبها النور، وها قد حان الوقت لكي نفكر - جديا - بانتاج مشروع وطني أردني ، يتغذى من كل مقومات بلدنا وانجازاته، ويستوعب طاقات شبابنا، ويصب باتجاه حل مشكلاتنا العالقة.
قيمة هذا المشروع الوطني انه يجيب عن سؤال «المواطنة»، ويستوعب جدل الهوية، وينطلق من مرجعية موحدة للاردنيين الذين تجمعهم دولة واحدة، هي دولتهم، وإطار حضاري وديني وانساني، وعيش مشترك، واواصر مصاهرة اجتماعية، وتقاليد سمحة، كما انه يتناسب مع استحقاقات المرحلة الخطيرة القائمة والقادمة التي لن تتركنا ننعم بأمننا ما لم نحافظ على بلدنا، ونعزز قوة دولتنا وصمودها، بكل ما لدينا من امكانيات.
هنا، يمكن للذين باتوا يعتقدون اليوم ان بلدنا يواجه اسئلة ومخاضات كبرى، وان واجبهم يتجاوز مجرد المعارضة والانتقاد مع الاستمرار في التلاوم والصراع، يمكنهم ان يتقدموا خطوة للامام، وان ينهضوا عن مقاعد المتفرجين (لكي لا نقول مقاعد المشاكسين)، لكي ينزلوا الى ميدان الفعل لا مجرد الكلام، والى ممارسة الواجب لا الاكتفاء بالوعظ والتحذير فقط، فنحن امام مرحلة تداهمنا اخطارها التاريخية، وهي اخطار لا تستوجب تحالفات سياسية تدافع عن الحدود فقط، وانما تحالفات تاريخية تحمي الوجود أيضاً.







