الأردن أمام لحظة حاسمة في الذكاء الاصطناعي... خبير بوضح
قال استشاري الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي هاني البطش إن الحديث المتصاعد عن "استقالات كبرى" أو "فقاعة ذكاء اصطناعي على وشك الانفجار" يحتاج إلى قراءة أكثر هدوءًا وواقعية، مشيرًا إلى أن ما يجري لا يعكس انهيارًا وشيكًا بقدر ما يعكس مرحلة طبيعية من إعادة ضبط التوقعات بعد موجة استثمارات ضخمة شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن تاريخ التكنولوجيا شهد أنماطًا مشابهة، بدءًا من فقاعة الإنترنت في أواخر التسعينات وصولًا إلى الحوسبة السحابية والهواتف الذكية، حيث سبق الاستثمار المفرط مرحلة تصحيح أعادت ترتيب السوق دون أن تُنهي القطاع نفسه، متابعًا أن الذكاء الاصطناعي يسير ضمن المسار ذاته، لكن بوتيرة أسرع وتعقيد أكبر.
وبيّن البطش أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة إنتاج حقيقية تُستخدم في تطوير البرمجيات، وتحليل البيانات الطبية، وأتمتة العمليات الصناعية، وخدمة العملاء، والتعليم، وصناعة المحتوى، ما يعني أن القيمة الاقتصادية بدأت تتشكل بالفعل حتى وإن كانت نماذج الربح لا تزال قيد التطور.
ولفت إلى أن إدخال الإعلانات إلى بعض الخدمات الرقمية – إن حدث – لا يخرج عن منطق الاقتصاد الرقمي القائم على الموازنة بين الخدمات المجانية والاشتراكات، إلا أن النقاش الحقيقي يجب أن يتركز حول الشفافية وحماية الخصوصية وضوابط استخدام البيانات وحق المستخدم في اختيار نماذج خالية من الإعلانات.
وفيما يتعلق بسوق العمل، أوضح البطش أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف بوتيرة متسارعة، لكنه لا يقود إلى إحلال جماعي بقدر ما يدفع نحو أتمتة المهام الروتينية ورفع إنتاجية فرق أصغر، مع انتقال تدريجي إلى وظائف إشرافية وتحليلية وإبداعية، مضيفًا أن التاريخ الاقتصادي يثبت أن كل موجة تكنولوجية كبرى تُحدث اضطرابًا مؤقتًا لكنها تخلق قطاعات جديدة بالكامل.
واستطرد قائلًا إن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الأنظمة التعليمية وسوق العمل على التأقلم وإعادة تأهيل القوى البشرية، خصوصًا في مجالات مثل هندسة النماذج، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وتدقيق الخوارزميات، والأمن السيبراني المعزز.
وأشار إلى أن المستخدمين يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة يومية عملية أكثر من كونه قضية فلسفية أو سياسية، إذ يعتمد عليه الطلبة والموظفون في تلخيص المعلومات وكتابة التقارير وتحليل البيانات، ما يعكس انتقاله من دائرة الجدل النظري إلى فضاء الاستخدام الفعلي.
ونوّه البطش إلى أن الخطر الأبرز لا يتمثل في انفجار فقاعة استثمارية، بقدر ما يتمثل في تركز القوة التقنية لدى عدد محدود من الشركات، واتساع فجوة المهارات، وخطر الاعتماد المفرط على أدوات ما تزال تحتاج إلى إشراف بشري واعٍ، مشددًا على أن المرحلة الحالية انتقالية بطبيعتها وتتسم بالمبالغة في التوقعات والتهويل في آن واحد.
وخلص بالإشارة إلى أن السؤال الحقيقي بالنسبة إلى الأردن لا يتمثل فيما إذا كانت فقاعة الذكاء الاصطناعي ستنفجر، وإنما في مدى جاهزية المؤسسات التعليمية والتشريعية والاقتصادية لإدارة هذا التحول، واستثماره في خلق فرص جديدة وتعزيز الأمن الرقمي وبناء اقتصاد معرفي أكثر مرونة واستدامة.







