الأردن... الطبقة الوسطى تتآكل تدريجيًا وتتحول إلى طبقة مدينة

{title}
أخبار الأردن -

 

•    المشهد الاقتصادي والاجتماعي في الأردن يشير إلى أزمة مركبة تمس الدخل، والعمل، والدَّين في آنٍ واحد

•    حجم غير مسبوق من المديونية الفردية في المحافظات كافة

•    الغالبية العظمى منها قروض استهلاكية غير منتجة

•    الفجوة العميقة في مستويات الأجور بين المحافظات تُعد سببًا محوريًا في تفاقم المديونية

•    أزمة الدخل لا تنفصل عن أزمة البطالة

•    البطالة بين المتعلمين تشكل تهديدًا اجتماعيًا تدفع باتجاه الهجرة

•    غياب أرقام محدثة وشفافة حول الفقر يُضعف القدرة على التخطيط ويُعمّق الأزمة

 

قال أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي إن قراءة المشهد الاقتصادي والاجتماعي في الأردن لم تعد ممكنة خارج إطار الأرقام الرسمية التي باتت تلاحق المواطن في أدق تفاصيل حياته اليومية، لافتًا إلى أن هذه المؤشرات، بدل أن تعكس مسارًا تنمويًا تصاعديًا أو إنجازات اقتصادية ملموسة، تكشف عن أزمة مركّبة تتقاطع فيها اختلالات الدخل مع انسداد سوق العمل وتفاقم المديونية الفردية.

وأوضح في تصريح خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن البيانات تُظهر مستويات غير مسبوقة من المديونية الشخصية في مختلف المحافظات، بما في ذلك المناطق التي تعاني أصلًا من معدلات مرتفعة للفقر والبطالة، الأمر الذي يدحض السرديات الشائعة التي تُحمّل سلوك الاستهلاك الترفي مسؤولية تفشي القروض، مشيرًا إلى أن الجزء الأكبر منها قروض اضطرارية فُرضت على الأسر لتغطية احتياجات معيشية أساسية، مثل التعليم، والرعاية الصحية، والسكن، وسداد التزامات مالية سابقة، في ظل غياب بدائل اقتصادية واقعية.

وبين الخزاعي أن الإشكالية الأعمق لا تكمن في حجم المديونية، ذلك أن الغالبية الساحقة من هذه القروض تندرج ضمن القروض الاستهلاكية غير المنتجة، التي لا تولد قيمة مضافة ولا تفتح أفقًا لفرص عمل جديدة، وإنما تُدخل الأفراد في حلقة مفرغة من "سداد الدين بالدين"، وهو ما يُفرغ أي حديث عن النمو الاقتصادي من محتواه الاجتماعي، ويحوّل الأرقام الكلية إلى مؤشرات منفصلة عن الواقع المعيشي للمواطن.

وأشار إلى أن التفاوت الحاد في مستويات الأجور بين المحافظات، كما تعكسه تقارير مؤسسة الضمان الاجتماعي، يشكل أحد العوامل الجوهرية في تفاقم أزمة المديونية، منوهًا إلى أن المطالبة بإدارة مالية رشيدة تفقد معناها حين يُطلب من مواطن يتقاضى أقل من 400 دينار شهريًا التكيّف مع تكاليف معيشة متصاعدة، وأسعار فائدة مرتفعة، لا سيما عند مقارنتها بدول الجوار، ما يجعل القروض خيارًا قسريًا لا ترفًا ماليًا.
واستطرد الخزاعي قائلًا إن أزمة الدخل تتداخل بشكل عضوي مع أزمة البطالة، مستشهدًا بمسوح دائرة الإحصاءات العامة التي تُظهر نسبًا مقلقة من التعطل عن العمل، خصوصًا بين فئات الشباب، والمتزوجين، وحملة الشهادات الجامعية، لافتًا إلى أن نسبة معتبرة من الأردنيين لم يسبق لهم الانخراط في سوق العمل أصلًا، وهو ما يشير بوضوح إلى أننا أمام بطالة بنيوية ذات جذور هيكلية، وليست ظرفية أو عابرة.

ولفت إلى أن البطالة بين المتعلمين، وبخاصة بين الإناث، تمثل تهديدًا اجتماعيًا، لما تولده من إحباط عام يدفع باتجاه إعادة تعريف الطموح الفردي خارج الحدود الوطنية، مشيرًا إلى أن بيانات موثوقة تعكس ارتفاعًا لافتًا في رغبة الشباب والشابات بالهجرة، بحثًا عن فرص حياة كريمة تضمن الاستقرار الاقتصادي والكرامة الاجتماعية.

وتابع الخزاعي أن غياب بيانات وطنية محدثة وشفافة حول معدلات الفقر، واعتماد الدولة على تقديرات خارجية دون تقديم أرقام رسمية دقيقة، يُضعف القدرة على التخطيط الاجتماعي والاقتصادي الرشيد، ويعمّق فجوة الثقة بين المواطن وصانع القرار، لا سيما في ظل التآكل المتسارع للطبقة الوسطى وتحولها تدريجيًا إلى طبقة مدينة ومعرّضة للانزلاق تحت خط الفقر.

وأشار إلى أن هذه المؤشرات لا يمكن قراءتها بمعزل عن بعضها البعض، إذ تشكل في مجموعها حلقة مغلقة من الفقر والبطالة والمديونية، تنعكس آثارها المباشرة على معدلات الزواج، والاستقرار الأسري، وأنماط الجريمة، ومستويات التماسك الاجتماعي، محذرًا من أن التقليل من شأن هذه الحقائق أو تأجيل معالجتها يراكم كلفة اجتماعية واقتصادية باهظة على المدى المتوسط والبعيد.

وخلص الخزاعي إلى أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب مقاربة وطنية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية والبرامج المؤقتة، نحو سياسات عامة قائمة على العدالة في توزيع الدخل، وتحفيز الاستثمار المنتج، وربط التعليم بسوق العمل، وتوفير مظلة حماية اجتماعية حقيقية، بما يعيد الاعتبار للكرامة الاقتصادية للمواطن، ويحدّ من النزيف الاجتماعي المتصاعد.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية