علينا أن نستعد جيدًا لسيناريو "ما بعد إيران"
قال أستاذ العلوم السياسية الدكتور حارث الحلالمة إن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في الساعات الأولى من الحرب على يد القوات الإسرائيلية وبدعم أميركي يُعد تفوقًا استراتيجيًا واضحًا لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، موضحًا أن العملية خلقت حالة نشوة سياسية وعسكرية واستخباراتية لدى الطرفين، باعتبارها استهدفت الشخصية الأولى في هرم النظام الإيراني.
وأوضح في تصريحِ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن هذا التطور، رغم ما يحمله من رمزية كبرى، لا يعني بالضرورة انهيارًا تلقائيًا للنظام، إذ إن التجارب التاريخية تشير إلى أن الأنظمة العقائدية غالبًا ما تضع بدائل وخطط تعاقب للقيادة، تحسبًا لمثل هذه السيناريوهات، مشيرًا إلى أن طهران كانت تدرك احتمالية استهداف قيادات الصف الأول، وبالتالي فإن مسألة الخلافة ليست فراغًا كاملًا كما يُتصوَّر.
وبيّن الحلالمة أن جوهر الصراع لا يتعلق بشخص خامنئي بقدر ما يرتبط بمشروع "نظام الثورة الإسلامية" الذي تأسس بعد عام 1979، وأن الهدف الأعمق للولايات المتحدة يتمثل في دفع إيران إلى طاولة مفاوضات وهي في موقع المنكسر، لتقديم تنازلات كبرى تُفضي إلى اتفاق جديد بشروط أميركية، يتجاوز في طموحه اتفاق عام 2015 الذي أُبرم في عهد باراك أوباما.
وأشار إلى أن السرعة في تنفيذ عملية الاغتيال منحت إسرائيل ميزة تنافسية على مستوى القدرات الاستخباراتية، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام مرحلة أعقد، لأن تغيير رأس النظام لا يعني بالضرورة تفكيك البنية العقائدية العميقة التي يستند إليها، خصوصًا في دولة تقوم على شرعية دينية يعتبر فيها جزء من المجتمع القيادة ذات بعد مقدّس.
ولفت الحلالمة إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في استبدال النظام الحالي بآخر قد يكون أكثر قابلية للتعاطي مع إسرائيل والولايات المتحدة، لافتًا إلى اسم رضا بهلوي كأحد الأسماء التي تُطرح في سياقات غربية، بوصفه امتدادًا لحقبة الشاه محمد رضا بهلوي، وهو ما قد يفتح الباب أمام تحوّل جذري في تموضع إيران الإقليمي، من نهج عدائي إلى مسار تطبيعي.
وذكر أن نجاح مثل هذا السيناريو – إن تحقق – سيمنح إسرائيل اليد العليا في الشرق الأوسط، ويكرّسها لاعبًا أول يمتلك القدرة على إعادة رسم خرائط النفوذ، مستفيدة من تفكك النظام الإقليمي العربي والإسلامي وغياب جبهة موحدة قادرة على خلق توازن ردعي فعال.
وأشار الحلالمة إلى أن بقاء إيران كقوة – حتى وإن كانت خصمًا – كان يشكّل عنصرًا في معادلة الردع المتبادل القائم على الاستنزاف، معتبرًا أن اختلال هذا التوازن قد يفتح المجال أمام تفرد إسرائيلي واسع، وهو ما يثير مخاوف عميقة لدى العديد من الدول العربية والإسلامية من سيناريو "ما بعد إيران".
واستطرد قائلًا إن الحديث عن مرحلة ما بعد طهران يمتد إلى احتمالات توسع إسرائيلي مدعوم بفوارق عسكرية وتقنية كبيرة، في ظل حكومات يمينية متشددة، ما قد يضع المنطقة أمام تحولات أكثر حدّة وخطورة.
وفيما يتعلق بالأردن، قال الحلالمة إن المملكة تقف في قلب العاصفة الجيوسياسية، لكنها تمتلك عناصر صمود داخلية مهمة، في مقدمتها تماسك الجبهة الداخلية، وقوة العلاقة بين الشعب والدولة والقيادة، مشيرًا إلى أن ثوابت الموقف الأردني، وعلى رأسها "اللاءات الثلاث" التي أكدها الملك عبدالله الثاني، تقطع الطريق على أي سيناريوهات تتعلق بالوطن البديل أو تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية باتجاه الأردن.
وخلص إلى أن المرحلة تتطلب إعادة بناء نظام إقليمي عربي أكثر تماسكًا، لأن سياسة الانفراد بكل دولة على حدة أثبتت فشلها، متابعًا أن وحدة الصف العربي وتعزيز الإرادة الشعبية في مواجهة أي اختلال أمني أو توسعي يبقيان الضمانة الأهم لمنع انزلاق المنطقة إلى معادلات قوة أحادية تُعيد تشكيلها وفق إرادة طرف واحد.







