رسائل خفية من إعادة هيكلة الجيش العربي... أبو زيد يضع النقاط على الحروف
قال الخبير العسكري والاستراتيجي نضال أبو زيد إن التوجيه الملكي بإعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية يمثل تحولًا عميقًا في الفلسفة العسكرية، وانتقالًا مدروسًا من منطق الجيوش الكلاسيكية إلى منطق الجيوش الحديثة القائمة على التكنولوجيا، والتكامل متعدد المجالات، بما ينسجم مع التحولات العميقة التي تشهدها بيئات الصراع المعاصرة.
وأوضح في تصريح خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الجيش العربي بات يتعامل مع طيف واسع من التهديدات الهجينة التي تتداخل فيها الأبعاد العسكرية، والسيبرانية، والاستخبارية، الأمر الذي يفرض إعادة تعريف مفاهيم الردع، والدفاع، والاشتباك، ومن هنا، فإن التوجيه الملكي يأتي في سياق الانتقال من العقائد القتالية القديمة إلى عقائد الجيل السادس، التي تعتمد على التفوق المعرفي، والسرعة، والقدرة على إدارة الصراع دون الانجرار إلى حروب استنزاف مفتوحة.
وبين أبو زيد أن تحليل لغة الخطاب الملكي يكشف بوضوح عن وعي استراتيجي عميق بطبيعة التحول العالمي في الفكر العسكري، حيث برزت مصطلحات مثل الردع الاستراتيجي وأساليب القتال الحديثة كمؤشرات لغوية ودلالية على توجه جديد يعيد صياغة وظيفة الجيش من مجرد أداة قتال تقليدية إلى منظومة ردع شاملة قادرة على منع التهديد قبل تحوله إلى صراع فعلي، واحتوائه إن وقع بأقل كلفة ممكنة.
ولفت إلى أن استخدام جلالة الملك لعبارات مثل البساطة والفاعلية في التطبيق يعكس فلسفة عسكرية متقدمة تستهدف حماية مراكز الثقل الاستراتيجية والتعبوية للدولة، عبر تقليص التعقيد العملياتي، وتعظيم الأثر، وضمان انسجام الجهد العسكري مع الأهداف السياسية والاستراتيجية العليا، بما يحول القوة العسكرية إلى أداة ذكية ضمن منظومة الأمن الوطني الشامل.
وذكر أبو زيد أن الإشارة إلى العمليات السيبرانية الدفاعية والهجومية، والاحتياط الكافي والاستراتيجي، وتحقيق نقلة نوعية، تشير إلى أن التوجيه الملكي يدفع باتجاه عسكرة المجال السيبراني كأحد ميادين الصراع المستقبلية، ودمجه ضمن العقيدة العسكرية، بما يضمن القدرة على حماية البنية التحتية الحيوية، وتعطيل قدرات الخصم، وإدارة الصراع في الفضاءات غير المرئية التي باتت لا تقل خطورة عن ميادين القتال التقليدية.
وأوضح أن هذا التوجه ينسجم مع مبادئ الحرب الحديثة التي تقوم على نموذج Lean and Mean، أي جيش أقل عددًا، أعلى كفاءة، وأكثر قدرة على الحركة والاستجابة السريعة، يعتمد على قوات النخبة، والتفوق الاستخباري، والدعم الجوي، والعمليات النوعية المركّزة (pickup operations)، بدلًا من منطق الحشود الثقيلة والانتشار الواسع الذي أثبت محدوديته في الحروب المعاصرة.
ونوه أبو زيد إلى أن ما نشهده اليوم هو إعادة بناء شاملة للقوة العسكرية الأردنية، قوامها التأثير الذكي، والكلفة الأقل، والتركيز الأعلى، بما يعكس فهمًا عميقًا لمعادلات الصراع المستقبلية، ويؤسس لجيش حديث قادر على فرض معادلات ردع فعّالة تحمي أمن الدولة واستقرارها في بيئة إقليمية ودولية شديدة السيولة والتقلب.







