اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

سبايلة يكتب : "الخطر القادم.. حين تعود التنظيمات الإرهابية إلى الداخل"

{title}
أخبار الأردن -

د.عامر سبايلة

مع التهديد الأميركي بالعودة للحرب مع إيران واحتمالات اتساع دائرة التوتر الإقليمي، يبرز خطر آخر قد لا يحظى بالاهتمام الكافي، يتمثل باحتمال عودة التنظيمات الإرهابية للعمل، ولكن بأساليب مختلفة عن تلك التي عرفناها خلال تجربة تنظيم داعش. فالمشهد الحالي، بما يحمله من اضطرابات وتوترات وتحديات أمنية، قد يوفر لهذه التنظيمات بيئة مناسبة لإعادة بناء نفسها، ليس بالضرورة من خلال التوسع والسيطرة على الجغرافيا، وإنما عبر العودة للعمل السري واللامركزي.


الحديث اليوم لا يتعلق فقط بعودة التنظيمات القائمة، وإنما أيضاً باحتمال ظهور تشكيلات جديدة تتبنى أساليب أقرب لتجربة القاعدة منها لنموذج داعش، من حيث الابتعاد عن الظهور العلني، وعدم السعي للسيطرة على المدن أو إعلان النفوذ الجغرافي. فالمعادلة قد تتجه نحو نموذج أكثر سرية، يقوم على الحفاظ على الشبكات والقدرة على التحرك وإحداث الضرر، دون الحاجة لامتلاك أرض أو إعلان وجود تنظيمي واضح.


وهنا تبرز فكرة الانتقال من "الذئاب المنفردة" إلى "الخلايا المنفردة". فإذا كانت تجربة الذئاب المنفردة اعتمدت على أفراد يتحركون بصورة مستقلة ومفاجئة، فالتطور المحتمل قد يتمثل في خلايا صغيرة ولامركزية، تمتلك هامشاً من الاستقلالية بالقرار، وتستطيع التحرك دون ارتباط عملياتي مباشر وواضح بقيادة مركزية.

 وهذا يعني أن التحدي الأمني قد يصبح أكثر تعقيداً، خصوصاً مع تراجع قدرة الأساليب التقليدية على رصد أنماط العمل التي لا تعتمد على هياكل تنظيمية ظاهرة.


في هذا السياق، تبرز مناطق مثل البادية السورية وبعض المناطق في العراق، وصولاً إلى الجنوب السوري، باعتبارها مساحات تحمل تحديات أمنية مرتبطة بضعف السيطرة في بعض المناطق وتداخل الظروف المحلية والإقليمية. كما أن استمرار التوترات الإقليمية قد يؤدي لتشتيت الموارد والاهتمام الأمني، وخلق فرص إضافية أمام التنظيمات لإعادة ترتيب أوضاعها واستغلال الثغرات القائمة.


لكن التحدي الأهم لا يكمن فقط بالجغرافيا، وإنما بالداخل نفسه. فالمواجهة القادمة بالنسبة لكثير من الدول قد لا تكون مرتبطة فقط بمنع تسلل عناصر من الخارج، وإنما بمنع إعادة توظيف عناصر موجودة داخل المجتمعات، تأثرت لسنوات بخطابات التطرف، أو وجدت بالظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة بيئة مناسبة لتبني هذه الأفكار.


هذا ينقل المواجهة من بعدها الأمني المباشر لبعدها السياسي والمجتمعي. فمكافحة التطرف لا يمكن أن تقتصر على المؤسسات الأمنية أو الخطاب الديني، لأن المشكلة أوسع من ذلك بكثير. نحن أمام تحدٍ يرتبط بالخطاب الوطني، والسياسات الإعلامية، والانفتاح الثقافي، والقدرة على معالجة التهميش والإحباط وغياب البدائل. كما أن التخطيط للمدن، وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها، وتوفير فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعزيز شعور الأفراد بالانتماء والمشاركة بالحياة العامة، كلها عناصر تدخل بصميم بناء المناعة المجتمعية أمام التطرف.


التعامل مع المرحلة القادمة يتطلب رؤية شاملة لا تفصل بين الأمن والسياسة والاقتصاد والثقافة والتخطيط. البعد الديني وحده لن يقدم الحل، والمعالجة الأمنية، مهما بلغت فعاليتها، ستبقى محدودة إذا لم تترافق مع سياسات قادرة على معالجة البيئة التي تسمح بإعادة إنتاج التطرف.


إذا كانت تجربة داعش قامت على السيطرة على الأرض وإعلان النفوذ، فالخطر القادم قد يقوم على نموذج مختلف، لا يحتاج للسيطرة على مدينة أو إعلان إمارة أو رفع راية في منطقة جغرافية. قد يكفي التنظيم أن يحافظ على قدرته على الوصول والضرب والاختفاء، وأن يجد بالداخل بيئة تسمح له بإعادة بناء شبكاته واستمرار حضوره.


ولهذا، فالمعركة القادمة، إذا ما اتجهت المنطقة نحو مزيد من التصعيد، لن تكون فقط مع تنظيمات موجودة بالجغرافيا، وإنما مع أفكار وشبكات قادرة على إعادة إنتاج نفسها داخل المجتمعات. وهنا تصبح قوة الدولة مرتبطة ليس فقط بقدرتها على ملاحقة التنظيمات بعد وقوع العمليات، وإنما بقدرتها على منع الظروف التي تسمح لها بالعودة.


الخطر الحقيقي قد لا يكون بالتنظيم الذي يظهر أمامنا، وإنما بالتنظيم الذي يعمل من داخل المجتمعات، ولا يريد أن يظهر، ويعتمد على السرية والمفاجأة لإعادة إنتاج حضوره.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية