القهيوي يكتب : "من يملك مفاتيح الاقتصاد في عالم يعيد رسم نفوذه؟"
د.ليث عبدالله القهيوي
قد تمتلك الدولة المال لشراء ما تحتاجه، لكنها لا تمتلك دائمًا ضمان وصوله. وقد تنتج سلعة، لكنها لا تتحكم بالضرورة في شروط دخولها الأسواق. وبين القدرة على الإنتاج وحرية الوصول تقف شبكة معقدة من الممرات والتكنولوجيا والتمويل والمعايير، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع حسابات الأمن والسياسة. وفي عالم تتزايد فيه المنافسة على هذه الشبكات، لم يعد السؤال من يملك الثروة وحده، بل من يملك القدرة على تحديد الشروط التي تتحرك بها.
ما يجري في الاقتصاد العالمي يتجاوز التنافس التقليدي على الأسواق والحصص التجارية. فثمة تحول في طبيعة النفوذ نفسه، حيث أصبحت السيطرة على نقاط الاختناق في سلاسل القيمة، والقدرة على تنظيم الوصول إلى التكنولوجيا والموارد والأسواق، أدوات مؤثرة في العلاقات الدولية. ولم تعد الرسوم الجمركية والعقوبات والقيود التكنولوجية والسياسات الصناعية مجرد قرارات اقتصادية منفصلة، بل باتت تتداخل بصورة أوضح مع أولويات الأمن القومي والمنافسة الإستراتيجية. وهكذا لم يعد الصراع على ما تنتجه الدول فقط، وإنما على القواعد التي تحدد من يستطيع الإنتاج، وبأي تكلفة، ولمن يستطيع البيع.
وتكشف المنافسة الأميركية الصينية جانبًا من هذا التحول. فمنذ عام 2022، فرضت الولايات المتحدة قيودًا متعاقبة على تصدير بعض أشباه الموصلات المتقدمة وتقنيات تصنيعها إلى الصين، مع تعديلات لاحقة على نطاق القيود وشروط الترخيص. وفي المقابل، استخدمت الصين نظام تراخيص وضوابط تصديرية على عدد من المعادن والمواد الإستراتيجية، مع اختلاف نطاق القيود ومواعيد تطبيقها وتعليق بعض التدابير، بما يكشف أهمية هذه الموارد في حسابات التنافس التكنولوجي والصناعي. ولا تكمن دلالة هذه الإجراءات في القيود ذاتها فحسب، بل في أنها تكشف تحول القدرة الصناعية والتكنولوجية إلى أداة تفاوض سياسي. فكل طرف يدرك أهمية ما يمتلكه داخل سلاسل الإنتاج العالمية، لكنه يدرك أيضًا أن توظيف هذا الامتياز قد يدفع الطرف الآخر إلى بناء بدائل تقلل فاعليته مستقبلًا.
وهنا تظهر المفارقة الأعمق: الاقتصاد الذي صنع ثروته من الترابط العالمي بات يواجه تساؤلات متزايدة حول المخاطر التي ينتجها هذا الترابط نفسه. فالاعتماد المتبادل قد يعزز التعاون ويخفض التكاليف، لكنه لا يمنح الأطراف بالضرورة قدرة متساوية على تحمل الانقطاع. وعندما يستطيع طرف إيجاد بديل خلال أشهر، بينما يحتاج الطرف الآخر إلى سنوات، تتحول فجوة البدائل إلى مصدر نفوذ محتمل. ومن ثم، فإن القوة الاقتصادية لا تُقاس بحجم التبادل وحده، بل أيضًا بكلفة فقدانه، وبالوقت اللازم لاستعادة القدرة على الحركة.
الأكثر أهمية أن العالم لا يتجه بالضرورة نحو انقسام اقتصادي كامل بين معسكرات مغلقة. فقد يكون المشهد المقبل أكثر تعقيدًا: تجارة مستمرة، واستثمارات عابرة للحدود، وتعاون في قطاعات متعددة، تقابلها قيود انتقائية على التكنولوجيا والمواد الحساسة والبنية التحتية الحيوية. وهذا يعني أن الدول قد تجد نفسها شريكة اقتصاديًا في مجال، ومنافسة في مجال آخر، ومختلفة سياسيًا في ملف ثالث. وفي مثل هذا العالم، لا تكفي قراءة التحالفات السياسية وحدها لفهم العلاقات الدولية؛ إذ يصبح من الضروري فهم شبكات المصالح التي تسمح لهذه العلاقات بالاستمرار رغم التنافس.
أما الشرق الأوسط، فلا يقف خارج هذه المعادلة. فالممرات البحرية والطاقة والربط الإقليمي والاستثمارات العابرة للحدود تمنحه أهمية اقتصادية واضحة، لكنها تجعله كذلك معرضًا لتداعيات الاضطرابات السياسية والأمنية. وقد أبرزت اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر حساسية التجارة العالمية تجاه الممرات الحيوية، فيما تؤكد التوترات المحيطة بمضيق هرمز أهمية تعدد مسارات الطاقة والإمداد. وفي المقابل، تطرح مشاريع الربط الاقتصادي والممرات الجديدة فرصًا لإعادة تشكيل المصالح بين دول المنطقة وشركائها الدوليين. غير أن قيمة هذه المشاريع لا تتحدد بالإعلان عنها، بل بقدرتها على تجاوز التعقيدات السياسية والتمويلية والتنظيمية، وتحويل البنية التحتية إلى حركة تجارية واستثمارية مستدامة.
وفي هذا المشهد، تبرز أمام الدول متوسطة الحجم معادلة دقيقة. فهي لا تستطيع فرض قواعد الاقتصاد العالمي، ولا تملك دائمًا القدرة المالية على إعادة بناء سلاسل إمدادها بصورة مستقلة، لكنها ليست بلا خيارات. فتنويع الشراكات، وتطوير الممرات البديلة، وتحسين القدرة التفاوضية، وتحديد مجالات الاعتماد الحرج، كلها أدوات يمكن أن توسع هامش الحركة. والتحدي ليس في تقليل الارتباط بالعالم، بل في تجنب أن يتحول هذا الارتباط إلى اعتماد يصعب التعامل معه عند تغير المصالح السياسية.
بالنسبة إلى الأردن، تكتسب هذه المسألة أهمية عملية مباشرة. فالعقبة تمثل المنفذ البحري الرئيسي للمملكة، وكفاءة الموانئ والمعابر وشبكات النقل تؤثر في قدرة الاقتصاد على التعامل مع الأسواق الخارجية. وفي قطاع الطاقة، اعتمد الأردن في (مايو) 2026 إستراتيجية للأعوام 2025-2035، تتضمن مستهدفات لتطوير إنتاج الغاز المحلي من حقل الريشة، ورفع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة إلى 40 % من خليط توليد الكهرباء بحلول عام 2035. وهي توجهات إستراتيجية مهمة، تتوقف آثارها المستقبلية على التنفيذ والاستثمار وتطوير البنية التحتية. غير أن الأمن الاقتصادي لا يتحقق بمجرد إضافة مصدر جديد، بل بفهم ما يحدث عندما يتعطل أحد المصادر، ومدى سرعة الانتقال إلى بديل، والكلفة التي يتحملها الاقتصاد خلال ذلك.
ومن هنا، فإن المطلوب يتجاوز تحسين الإجراءات التجارية إلى بناء منهجية وطنية لقياس التعرض الاقتصادي الخارجي. ويمكن تطوير (مصفوفة للتعرض الاقتصادي) تحدد السلع والمدخلات والخدمات الحيوية، ومدى تركز مصادرها، وكلفة انقطاعها، والمدة اللازمة لتعويضها، والبدائل المتاحة لكل منها. وينبغي أن تربط هذه المصفوفة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، وأن تترجم نتائجها إلى خطط للتخزين الإستراتيجي المدروس، وتنويع الموردين، وتطوير التمويل التجاري، وتحسين إجراءات الحدود، واختبار استمرارية الأعمال. فالمطلوب ليس إنشاء جهاز جديد بالضرورة، بل جعل إدارة الاعتماد الخارجي جزءًا من التخطيط الاقتصادي والدبلوماسي القائم.
ولكي لا تبقى هذه المنهجية حبيسة التقارير، يجب أن تقاس نتائجها بمؤشرات واضحة: الزمن اللازم لتأمين مورد بديل، ونسبة الاعتماد على مصدر واحد في المدخلات الحيوية، والمدة المطلوبة لاستعادة حركة التجارة عند اضطراب أحد المسارات، والكلفة الإضافية التي يتحملها المنتج والمستهلك. كما ينبغي أن ترتبط الدبلوماسية الاقتصادية بهذه الأولويات، بحيث لا تقتصر الشراكات الخارجية على زيادة التبادل التجاري، بل تشمل ضمان استمراريته وتوسيع بدائله عند الأزمات.
فالاضطراب الجيوسياسي لا يبقى خارج حياة المواطن. عندما ترتفع كلفة الشحن أو تتعطل مدخلات الإنتاج أو تتغير شروط التمويل، قد تنتقل الآثار إلى أسعار السلع، وقدرة الشركات على الاستثمار، وفرص العمل. وليس كل ارتفاع في الأسعار نتيجة مباشرة لصراع خارجي، لكن فهم قنوات انتقال المخاطر يسمح بسياسات أكثر دقة وأقل كلفة. وهنا تلتقي السياسة الخارجية بالاقتصاد الوطني؛ إذ تصبح حماية استمرارية الإنتاج والتجارة جزءًا من حماية المصالح الاجتماعية والتنموية.
وخلال العقد المقبل، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للاقتصاد الدولي. الأول يتجه نحو تكتلات اقتصادية ترتبط بصورة أوثق بالاعتبارات الأمنية، بما يزيد القيود على التكنولوجيا والتمويل والمواد الحساسة. والثاني يبقي الأسواق مفتوحة نسبيًا، مع استمرار القيود الانتقائية والتنافس على القطاعات الإستراتيجية. أما الثالث فيقوم على تجدد بعض قواعد التعاون التجاري والتكنولوجي، استجابةً لارتفاع تكاليف التجزؤ.
ولا يمكن الجزم بأي من هذه المسارات، بل قد تتداخل عناصرها في الوقت نفسه. وليس مستبعدًا أن تتعايش هذه المسارات داخل النظام الدولي نفسه؛ فتتوسع الشراكات في قطاعات، وتشتد القيود في قطاعات أخرى، بما يجعل إدارة التناقضات بين التعاون والمنافسة إحدى أهم مهارات السياسة الاقتصادية خلال العقد المقبل. ولذلك، فإن السياسات الأكثر قدرة على التكيف هي التي لا ترهن مصالح الدولة بمسار دولي واحد.
وتبرز هنا فكرة تستحق أن تدخل صلب التفكير الإستراتيجي: السيادة على الخيارات الاقتصادية. وهي لا تعني الانفصال عن الأسواق العالمية أو السعي إلى الاكتفاء الذاتي في كل شيء، وإنما بناء قدرة وطنية على الاختيار بين بدائل حقيقية عندما تتغير الظروف. فالدولة التي تستطيع تأمين احتياجاتها الحيوية عبر أكثر من مسار، وتملك معرفة دقيقة بمواطن تعرضها للمخاطر، تكون أقدر على التفاوض وتجنب القرارات الاضطرارية مرتفعة الكلفة.
لقد أصبح الاقتصاد أحد ميادين إعادة تشكيل النفوذ الدولي، لكن امتلاك أدوات الضغط لا يعني القدرة على استخدامها بلا ثمن، كما أن الاعتماد المتبادل لا يلغي إمكانية التعاون. وبين هاتين الحقيقتين تتحدد مساحة الحركة أمام الدول التي تدرك أن مصالحها لا تحمى بالانغلاق، ولا بالانفتاح غير المحسوب، بل بإدارة واعية لشروط ارتباطها بالعالم.
وفي عالم يعيد رسم نفوذه، قد لا يكون السؤال الحاسم من يملك مفاتيح الاقتصاد، بل من يستطيع إبقاء أبوابه مفتوحة عندما تتغير مصالح من يحملون تلك المفاتيح.







