المومني تكتب : "كيف نواجه خطاب الكراهية؟"
د.نهلا عبدالقادر المومني
تلقي الكراهية بظلالها ثقيلة على مجتمعات آمنة مستقرة، لا تعرف للتمييز طريقا أو للبغضاء مكانا، فتأتي مثقلة بالعداوة والتطرف لتحاول زعزعة هذه المكونات، مستندة إلى أرث بال من التطرف تجسده في قالب إرهابي لا يقيم لدين أو معتقد أو قيم أي اعتبار.
قد تبدو المراحل اللاحقة للإرهاب الأصعب والأكثر حساسية ومفصلية؛ فكيف تتم مواجهته بصورة تؤدي إلى القضاء عليه من جذوره، أو على أقل تقدير إبقاء تأثيره محدودا، غير قادر على الخروج من وكره.
في هذا السياق، لا يمكن أن نتحدث عن محاربة الإرهاب دون أن نواجه الطريق المؤدية إليه، والباب الذي تخرج منه على مهل فكرة وراء فكرة مغلفة بالكراهية، فتكبر رويدا رويدا لتمسي جبلا متماسكا من الأفكار الراسخة في عقول أصحابها؛ فتكون قنبلة كامنة تنطلق مخلفة ورائها ألما وقهرا لا ينسى.
الكراهية خطاب يبدأ بفكرة وكلمة وعبارة ومعلومة، تتدرج في خطورتها من التنميط والوصم والتحريض والتقليل من شأن الفئات الأخرى وانتهاء بالقتل؛ الذي قد يتخذ صورة اكثر الجرائم جسامة، الإرهاب الذي يهدف إلى ترويع المجتمع والأفراد وإحداث خلل مقصود بوتيرة سير الحياة الآمنة والمستقرة.
وهنا لا بد من التأكيد على أن التشريعات تشكل بالضرورة المكون الرئيس في تحقيق العدالة، وإيقاع العقوبة التي من شأنها تحقيق الردع العام والخاص، إلا أن التشريعات لا يمكن أن تقف منفردة في مواجهة هذا الخطاب خاصة في ظل عالم متسارع يحكمه فضاء إلكتروني.
وكذلك الحال فيما يتعلق بالمنظومة التعليمية وعمليات رفع الوعي ونشر الفكر المعتدل وغير ذلك من إجراءات ستبقى منقوصة ما لم تسبقها خطوة جوهرية تشكل هرما أساسيا في محاربة منظومة الكراهية تتمثل في العمل مبكرا على إنشاء قاعدة بيانات حول خطاب الكراهية.
هذه الخطوة التي اعتبرتها المعايير الدولية لحقوق الإنسان حجر زاوية وأداة مهمة وأرضية صلبة لمواجهة هذا الخطاب على معطيات دقيقة وواضحة؛ حيث يتوجب أن ترتكز قاعدة البيانات هذه في مضامينها على تقديم معلومات حول مدى انتشار خطاب الكراهية وأماكن تمركزه وتوزيعه الجغرافي والقائمين عليه وربطه بالسياق العام الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وغير ذلك من بيانات مصنفة وفق معايير ومؤشرات تكفل الخروج بصورة علمية، ممنهجة وواضحة حول مدى اتساع هذا الخطاب، وقابليته للتوسع على المدى القريب والبعيد على حد سواء، وترسم صورة واضحة لتدرجاته ومستوياته والمراحل التي قد يصل إليها بناء على المعطيات جميعا.
قاعدة البيانات هذه هي خطوة مهمة ومفصلية في المضي قدما نحو مكافحة الكراهية المؤدية إلى التطرف والإرهاب بالنتيجة، فهي ستشكل مصدرا لصاحب القرار وصانعه لوضع الإستراتيجيات وبرامج العمل الفاعلة، وتسهم في وضع خريطة ممنهجة للأساليب والآليات التي من شأنها أن تغير اتجاهات هؤلاء الأفراد وتعدل من سلوكهم، كما تضمن قاعدة البيانات هذه أحداث التغيير المستدام ومعالجة الجذور لا الأعراض؛ فتنعكس على السياسات التعليمية والاقتصادية والثقافية على حد سواء.
خطاب الكراهية في مضامينه الأولى يقوم على فكرة، ولكنها فكرة مسمومة بكره الآخر ونبذه والسعي إلى وضع حقيقة واحدة أمام الآخرين على أنها مسلمات لا جدال فيها. وإذا كانت الكراهية في بذرتها الأولى فكرة، فالفكرة تقابل بالفكرة وتدحض بها، لذا فان العمل يبدأ من صنع السلام داخل عقول الأفراد، «فلما كانت الحروب تتولد في عقول البشر ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام» كما أشارت إلى ذلك منظمة اليونسكو.
فبناء السلام وتقبل وحب الآخر ونبذ التطرف وتقبل التعدد وبناء الشخصية الإنسانية على احترام قيم حقوق الإنسان هو الأداة التمكينية القادرة اكثر من غيرها على الوقوف في وجه هؤلاء ممن ظنوا انهم استأثروا بالحقيقة ونصبوا انفسهم على وجه الأرض ليضعوا غيرهم في قوالب جاهزة بنيت على أسس من الكراهية والتطرف، وحتى تكون هذه الأداة فاعلة لا بد من ارتكاز السياسات العامة ذات العلاقة في نشأتها وبنائها على معطيات ومعلومات شاملة، تجعل من محاربة الكراهية والتطرف طريقا يعرف الجميع من أين سنبدأ فيه، وإلى أين ستنتهي الوجهة.







