ناصر الدين يكتب : "خطة منهجية في مواجهة التطرف والإرهاب"
يعقوب ناصر الدين
أعادني النقاش الدائر حول كيفية تكثيف الجهود الوطنية للقضاء على التطرف والإرهاب على خلفية الهجوم الإرهابي الآثم على كنيسة "حمود" إلى مناقشات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية التي شرفني جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين بعضويتها في مثل هذه الأيام من العام 2021، خاصة في نطاق لجنة تمكين المرأة والشباب والتي عبرت توصياتها عن منطلقات إيجابية تتعلق أساسًا بقيم المواطنة الحقة والاندماج المباشر في الحياة العامة، مع الإعداد السليم حسب الفئات العمرية والمراحل الدراسية التي يمر فيها الشباب وصولًا إلى المرحلة الجامعية التي تعتبر ذروة التحصيل العلمي والمعرفي من ناحية، وتشكل اختبارًا لمخرجات التعليم مقرونة بالقيم المكتسبة من ناحية ثانية.
لقد طرحت اللجنة قضايا التطرف الفكري والإرهاب والتعصب والتنمر والعنف من عدة زوايا تتعلق في معظمها بكيفية ربط الإستراتيجيات الوطنية ذات العلاقة بتحصين المجتمع من تلك الآفات عبر بوابات الإصلاح الشامل، من أجل أن تكون عمليات تمكين الشباب بمثابة خط دفاع قوي في التصدي للتطرف والانحراف الفكري والأخلاقي الذي توظفه الجماعات الإرهابية لتدمير المجتمعات وتهديد الأمن والاستقرار، وكانت الآراء متوافقة ومنسجمة مع التوجهات التي عبر عنها جلالة الملك في الأوراق النقاشية حول دمج الشباب في الحياة الجامعية والأحزاب السياسية البرامجية.
كان التركيز منصبًا في جلسات النقاش على كيفية سد الفراغات والثغرات التي تنفذ من خلالها المنظمات الإرهابية بما في ذلك المخدرات والأفكار الهدامة التي تستهدف القيم والانتماءات الوطنية والسلوك القويم، وخلق حالة من الريبة والشك واليأس في حاضر الشباب ومستقبلهم، وكانت الشواهد على ذلك كثيرة ومن ضمنها العنف الجامعي، ومحاولات تهديد السلم المجتمعي، وغير ذلك مما يتعارض مع قيم المجتمع الأردني وعاداته وتقاليده النبيلة.
وبالطبع ركزت التوصيات على المسؤوليات الملقاة على عاتق العديد من الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة بالخطاب العام وبقضايا الشباب، والعناية بهم وبنشاطاتهم الفكرية والبدنية والإبداعية، وبضرورة تنسيق الجهود المشتركة وتكثيفها، ومشاركة الشباب في رسم وصياغة الإستراتيجيات المتعلقة بواقعهم، والدفع بهم إلى مراكز صنع القرار، خاصة وأن الأمر يتعلق بمشاركتهم في الحياة السياسية والحزبية وفي المجالس المنتخبة.
لقد لمست قدرًا من هذه الأهداف يتحقق منذ تشكيل الأحزاب البرامجية، والمشاركة في الانتخابات البرلمانية، ولم يكن ذلك أكثر من بداية يمكن البناء عليها، فمشاركة الشباب في حد ذاته ليست هدفًا منفصلًا عن مجمل المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، لكن حصيلة ذلك هو أننا نمضي قدمًا في المسار الديمقراطي رغم التحديات التي يواجهها بلدنا نتيجة الأوضاع المضطربة التي تعيشها المنطقة بأكملها، والتي تضعنا في دائرة حرب إقليمية بأبعادها الدولية التي لا يمكن التكهن بتطوراتها ولا بنتائجها.
لقد استعدت بالذكرى والتذكير تلك المناقشات والتوصيات، وكنت توقفت طويلًا عند جملة قالها جلالة الملك خلال ترؤسه مجلس الأمن القومي في اليوم التالي لجريمة الاعتداء على كنيسة قرية حمود حين وجه الحكومة والمؤسسات المعنية "إلى مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتكثيف الجهود لتجفيف منابعه ضمن خطة منهجية بالتنسيق مع المرجعيات الدينية" وذلك التوجيه من جلالة الملك يعني الكثير، ويجب أن يدفعنا إلى إجراء مراجعة حقيقية لما تم تحقيقه في هذا المجال، والاعتراف بالحقائق كما هي، فقد كانت الجريمة مدوية تجاوزت تفاصيل الزمان والمكان إلى عمق معركتنا مع الإرهاب، ولذلك فإن الخطة التي يدعو جلالة الملك إلى وضعها على الفور ليست خطة دفاعية وحسب بل هي خطة هجومية نحتاجها لكسر شوكة الإرهاب بكل ما نملكه من عزيمة وقوة وقدرة على الانتصار.







