اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

سعدالدين تكتب : "هل تنجح ألاعيب نتنياهو للبقاء؟"

{title}
أخبار الأردن -

نادية سعدالدين

يعيش "نتنياهو" هذه الأيام أزهى حالاته خلافاً للظاهر أمام العيّان. فبعد إخفاقه في تحقيق الأغلبية البرلمانية الحاسمّة لتشكيل الحكومة، أسّوة بمعسّكر أيزنكوت المنافس، ولمأزق مشاوراته وكلفة إتمامها سياسياً، وجّه دفّة خطته نحو إطالة أمدّ بقائه كرئيس حكومة تصريف أعمال مؤقتة وصولاً لانتخابات جديدة، بما يمنحه مُعاودّة الإمساك بقرار شنّ الحروب والصراعات بلا هوادّة أو انحسّار، حتى يؤول أكثر خطراً على أمن واستقرار المنطقة مقارنة بفترة حكمه السابقة.

فهي لعبة يُتقنها "نتنياهو" جيداً، مُستغلاً المادة 30 من «قانون الأساس: الحكومة» التي لا تحدد مدة بقاء الحكومة المؤقتة، لإنفاذ خطته عبر مساريّن؛ إحباط مساعي الطرف الآخر من تشكيل الحكومة، بالتوازي مع مشاوراته ومحاولة استمالة أحزاب الوسط والمتدينيين بالمعارضة للانشقاق عنها والانضمام إلى كتلته اليمينية المتطرفة وتأمين المقاعد الثمانية المتبقيّة، و»نزع الشرعيّة» عن أي ائتلاف مُحتمل يعتمد على الدعم العربي، حتى لو كان خارجياً للمعسكّر المنافس، استكمالاً لمحاولاته الاستباقية الفاشلة لإقصاء الأحزاب العربية من اللجنة المركزية للانتخابات، تلتها اتهامات «التزوير» للأصوات العربية فور صدور النتائج، باعتبارها جزءاً من إستراتيجيته الأوسّع للبقاء في السلطة أطول وقت ممكن.


وإذا كان المسار الأول غير مضمون النتائج، إلا أن "نتنياهو" لن يجد عناءً كبيراً في تأليب الداخل الصهيوني على الأحزاب العربية. فرغم الصعود التاريخي (القائمة المشتركة والموحدة – 19 مقعداً) والارتفاع غير المسبوق في نسبة تصويت الفلسطينيين في فلسطين المحتلة عام 1948، إلا أن عزلتهم السياسية تزداد داخل نظام استعماري قد يتقبلهم كناخبين لكنه يرفضهم كشركاء في الحكم حتى لا يتم المساس «بشرعية الدولة اليهودية وثوابتها الأمنية» المزعومة، وهو بذلك يدّحض من داخله أسطورة «دولة يهودية وديمقراطية» التي يُسّوقها الكيان الصهيوني لنفسّه لتجميل وجهه القبيح.


وباستثناء حزب «الديمقراطيين» بقيادة يائير غولان، فإن معسكر أيزنكوت يجد نفسه في مأزق بنيوي، فهو عاجز عن تشكيل حكومة دون الاستعانة بالقوائم العربية، ولكنه يرفض أيديولوجياً وتاريخياً الشراكة معها لتجنب خسارة قاعدته اليمينية والوسطية الصهيونية، ويشترط عليها شروطاً تعجيزية قد لا تتمكن من تلبيتها، بما يُحولها من أداة ضغط سياسي فعالة إلى أداة معزّولة.


ولا مانع لدى نتنياهو بإحداث شلل مؤسساتي طالما استمر في منصبه. لكن الحائط المسدود الذي وصلته الصهيونية بسبب عدم تمكنها من الحكم بمفردها وممانعة الشراكة مع القوائم العربية، يعني تآكل القدرة على الحكم وتعميق أزمة النظام البنيوية وتجذير الخلافات حول الهوية الداخلية وأسلوب الإدارة، وليس على استمرار الحروب والتصعيد، فكلا المعسكرين يتبنيان ذات الرؤية العدائية المتطرفة تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة، والإقليم.


هذا الانسداد السياسي ستكون له تبعاته الجسيّمة عبر ثلاثة أبعاد: 
أولاً: ففي ظل غياب أفق لحكومة مستقرة؛ سيعتمد نتنياهو على إبقاء كيانه المحتّل في حالة طوارئ مستديمة لتبرير شرعية بقائه كرئيس حكومة مؤقتة، مما يعني عسّكرة الخطاب العام والمزيد من التصعيد في قطاع غزة والضفة الغربية. 


ثانياً: إن استمرار حكومة تسيير الأعمال سيؤدي إلى تجميد حل أزمة «تجنيد المتشددّين دينياً» وتعميق ظاهرة الرفض عند جنود الاحتياط من التيار العلماني والوسطي الساخطيّن من دفعهم لأثمان الحروب بينما الشلل السياسي يحمي الامتيازات الخاصة «للحريديم»، وسط حالة انهاك شديد يمر بها جيش الاحتلال عموماً نتيجة الحروب والعمليات العسكرية المستمرة، حتى وإن كان معتاداً عليها بفعل نزعته العدوانية وعقليته الحربية.


ثالثاً: قد يعمق أمدّ الانسداد حالة الاحتقان بين المستوييّن السياسي والعسكري، حينما يجد جيش الاحتلال نفسه مُجبراً على إدارة عمليات استنزاف بدون أهداف سياسية واضحة، لأن الحكومة المؤقتة عاجزة عن اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى خشية تفكك تحالفاتها، بما سيرفع من حدة التوتر المكتوم بين هيئة الأركان الصهيونية ووزراء اليمين المتطرف، مثل «بن غفير وسموتريتش»، الذين سيستغلون غياب المحاسبة البرلمانية لتوسيع نفوذهم الاستيطاني، وتصعيد اعتداءاتهم ضد الشعب الفلسطيني.


وسواء تمكن نتنياهو من تشكيل الحكومة أو بقي في السلطة مؤقتاً؛ فإن ذلك سيؤدي لإراقة المزيد من الدّم الفلسطيني، وتفعيل مخططات «الضّم» والتهجير وحسّم مصير نحو 75 % من أراضي الضفة الغربية لصالح المشروع الاستيطاني الصهيوني، حيث سيسعى المتطرفون بعنف وعدائيّة لتعميق الخراب والدمار قبل انصرافهم، هذا إذا انصرفوا حقاً.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية