العثامنة يكتب : "الدراما الأردنية.. سياسة بأدوات أخرى"
مالك العثامنة
كيف لدولة تخوض معارك سياسية وإقليمية معقدة دفاعا عن مصالحها وروايتها الوطنية، أن تترك واحدة من أثقل أدوات قوتها الناعمة خارج حساباتها الاستراتيجية؟ وكيف يمكن للأردن أن يطالب العالم بفهم مواقفه وتاريخه، بينما لا يستثمر بما يكفي في صناعة الحكاية التي تشرح من هو، وماذا يريد، ولماذا يتخذ مواقفه؟
هذان السؤالان استحضرهما حديث وزير الاتصال الحكومي السابق، الدكتور مهند المبيضين، مع الصديق الدكتور هاني البدري في برنامج "نيران صديقة"، حين وضع المبيضين الدراما في موقعها الطبيعي بوصفها أداة ثقافية وسياسية لصناعة الوعي، مشيدا بتجربة المركز العربي للإنتاج الإعلامي بقيادة طلال العواملة، وهي إشادة عززها البدري، وفتحت بابا لنقاش يتجاوز الأشخاص والمؤسسات إلى موقع الإنتاج الدرامي في التفكير السياسي للدولة الأردنية.
فالأردن الذي يواجه تحديات تتصل بالقضية الفلسطينية والتحولات السورية والتهديدات الإقليمية، يحتاج إلى ما هو أبعد من البيانات والمواقف الدبلوماسية، فالسياسة الخارجية لا تستطيع وحدها تفسير الموقف الأردني للشعوب، والإعلام الإخباري لا يكفي لبناء رواية وطنية عابرة للأجيال، وهنا تصبح الدراما امتدادا للسياسة بأدوات أكثر عمقا وأطول أثرا.
والمركز العربي الذي أسسه الراحل عدنان العواملة عام 1983، يمثل تجربة أردنية نجحت في اختراق السوق العربية، وواصل طلال العواملة تطويرها بخبرة إنتاجية ومعرفة أكاديمية في العلوم السياسية، حتى بلغ المشروع اعترافا دوليا بفوز مسلسل "الاجتياح" بجائزة الإيمي العالمية عام 2008.
ولعل المثال الذي استحضره الدكتور مهند المبيضين عن مسلسل "سلطانة" هو الأكثر دلالة على هذه القيمة، فقد أخذ المركز العربي نصا أدبيا رفيع المستوى للروائي الأردني العربي الراحل غالب هلسا، وقدم منه عملا دراميا ضخما، استند إلى ثلاث من رواياته، هي "سلطانة" و"وديع والقديسة ميلادة" و"زنوج وبدو وفلاحون"، ليعيد إنتاج الذاكرة الاجتماعية والسياسية الأردنية بلغة بصرية تصل إلى جمهور أوسع من قراء الأدب، وفي ذلك جوهر الدور الذي ينبغي أن تؤديه الدراما الوطنية، فهي ليست أداة لتجميل التاريخ أو اختراع سردية رسمية عنه، بل وسيلة لروايته بأمانة وجرأة، بما فيه من تحولات وتناقضات وصراعات وشخصيات صنعت ملامح المجتمع والدولة، وهذا تحديدا هو المعنى الصحي والسليم لتوثيق السردية الأردنية، بأن نثق بتاريخنا بما يكفي لنرويه كما كان، لا كما نحب أن يبدو، وأن نحول أدبنا الرفيع إلى ذاكرة مرئية تتناقلها الأجيال، وهو ما فعله المركز العربي بقيادة طلال العواملة في تجربة تستحق أن تكون نموذجا لا استثناء.
وليس المطلوب تحويل الدراما إلى دعاية حكومية، وإنما بناء سياسة وطنية تضمن استقلالها الفني، وتدعم الإنتاج والتوزيع والشراكات بشفافية، وتستثمر الخبرات المتراكمة دون محاباة أو إقصاء.
ففي زمن تتنافس فيه الدول على صناعة الصورة والذاكرة، يمثل المركز العربي وأمثاله كتيبة مدفعية ثقيلة في منظومة القوة الناعمة، وإنصاف هذه التجربة ليس مجاملة لطلال العواملة، بل ضرورة سياسية، فالأردن الذي يدافع عن مصالحه في المحافل الدولية، يحتاج أيضا إلى الدفاع عن روايته على الشاشات، ومن لا ينتج حكايته، سيجد الآخرين يروونها عنه.







