اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب : "انتخابات الكيان: الوجوه تتغير، ويبقى المشروع"

{title}
أخبار الأردن -

علاء الدين أبو زينة

ترتبط المشروعات الاستعمارية الاستيطانية عضويًّا بالإبادة، بأشكالها التي تتجاوز القتل الجماعي إلى اقتلاع السكان من أرضهم، وتدمير شروط بقائهم، ومحو وجودهم الوطني والثقافي. وعندما يكون وجود أصحاب الأرض عائقًا أمام التوسع الاستيطاني، تتدرج أدوات الإقصاء من المصادرة والتهجير والتجويع والعنف المنظم إلى التدمير والقتل.

ولم يتغير هذا النمط في فلسطين منذ نشأة الكيان الاستعماري الصهيوني أيًا كانت الوجوه التي تحكم، سواء كانت محسوبة على «اليمين» أو «اليسار» -حيث اليسار في الحقيقة مجرد يسار في اليمين وليس خارجه وعلى يمينه.
 

لذلك، يتصل السؤال المركزي عن انتخابات الكيان بحدود استعداد أي حكومة للمساس بأسس المشروع الاستعماري الاستيطاني نفسه ولا يحدده مصير بنيامين نتنياهو وحده. وقد انشغلت الكثير من الصحف والمجلات ومراكز الأبحاث بهذا السؤال في الأسابيع الأخيرة التي سبقت الاقتراع: هل يمكن أن يفضي رحيل نتنياهو إلى تغيير حقيقي في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والمنطقة؟ 

وكان من الطبيعي أن تتلاقى معظم هذه القراءات عند فكرة أن التحوّلات الأيديولوجية في مجتمع الكيان، وصعود اليمين القومي والديني وتغلغل مواقفه في مؤسسات الدولة، تجعل استمرار السياسات القائمة الاحتمال الأقوى -حتى مع تغيّر القيادة. ربما تتبدّل أساليب إدارة الصراع وتتراجع بعض مظاهر التطرف، لكن مراجعة منظومة الاحتلال والاستيطان واستخدام القوة العسكرية تظل احتمالًا غير وارد إلى حد بعيد. وسأعرض في ما يلي عينة -على سبيل المثال لا الحصر- من هذه المواد.


في مجلة «فورين أفيرز»، نشر ألوف بن، رئيس تحرير صحيفة «هآرتس»، مقالًا بعنوان «ما الذي لن تغيّره الانتخابات الإسرائيلية» What Israel’s Election Won’t Change، تناول فيه قيود الإجماع الأمني الجديد وتكاليفه. ويرى بِن أن نتنياهو دفع الكيان خلال سنوات حكمه الطويلة نحو مزيد من التشدد، وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، وتعميق واقع الحرب والاحتلال. لكن رحيله المحتمل لن يبدّد الإجماع الأمني الذي ترسّخ بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 والحروب اللاحقة.

وقد يكون منافسه الأبرز، غادي آيزنكوت، أكثر استعدادًا لإصلاح المؤسسات الداخلية، لكنه لا يطرح، لا هو ولا معظم الأحزاب اليهودية الرئيسية في الكيان، مشروعًا واضحًا لقيام دولة فلسطينية.


وفي «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية»، ترى الباحثة بيث أوبنهايم، في مقال بعنوان «مهما كانت نتيجة الانتخابات، فإن التحوّل الإسرائيلي المناهض لليبرالية باقٍ» Whoever Wins the Election, Israel’s Illiberal Turn Is Here to Stay، أن التحوّل نحو القومية الإثنية واليمين الديني تجاوز شخص نتنياهو ليصبح جزءًا من بنية المؤسسات ومراكز صنع القرار.

وقد تتمكن حكومة معارضة من الحدّ من بعض مظاهر التطرف وعنف المستوطنين وتحسين العلاقات مع أوروبا والدول العربية، لكنها ستظل مقيّدة بإجماع أمني يعطي الأولوية للسيطرة العسكرية والاحتفاظ بمناطق عازلة وتوسيع المستوطنات. وقد المسار الذي تشكّل عبر سنوات من التحوّلات السياسية والاجتماعية بحيث لن تعكسه نتيجة انتخابية وحدها.


وتذهب المحامية والمحللة السياسية ديانا بوتو، في مقالها المنشور على موقع «الجزيرة» الإنجليزي بعنوان «الانتخابات لا تستطيع إحداث تغيير في إسرائيل» Elections Cannot Produce Change in Israel، إلى أن التنافس بين نتنياهو ومعارضيه يوحي بوجود بدائل سياسية متمايزة، بينما تكشف مواقف الأحزاب من الفلسطينيين عن مساحة واسعة من التوافق. وفي مجملها، لا تقدم المعارضة مشروعًا واضحًا لإنهاء الاستيطان أو وقف الحرب على غزة، ولا تجعل إقامة الدولة الفلسطينية محورًا لبرنامجها السياسي. 

وبحسب بوتو، يجعل تطبيع إنكار الحقوق الفلسطينية داخل مجتمع الكيان ومؤسساته الرهان على التغيير الداخلي محدود الجدوى، وقد يكون الضغط الخارجي، بما قد يتضمنه من إجراءات سياسية واقتصادية، أقدر على تغيير الحسابات.


ويقترب الصحفي ستيفن كويلن من الاستنتاج نفسه في مقاله المنشور في موقع «الجزيرة» الإنجليزي أيضًا تحت عنوان «إذا رحل نتنياهو، فهل يتغيّر شيء حقًّا بالنسبة للفلسطينيين؟»If Netanyahu goes, does anything really change for Palestinians?  وفي رأيه، لا يعني التعاون بين أحزاب المعارضة للإطاحة بنتنياهو اتفاقها على بديل ينهي الاحتلال أو يفكّك بنية الاستيطان. 

وقد تتراجع ممارسات استفزازية، وتتغيّر لهجة الحكومة تجاه الحلفاء، ويزداد الاهتمام بالدبلوماسية، لكن مؤسسات الدولة التي تصوغ السياسات وتنفذها ستظل قائمة. وقد يكون الحدّ من الأضرار التي تلحق بالفلسطينيين مكسبًا مهمًّا، لكنه يظل محدودًا ما دامت أسس السيطرة بمنأى عن المراجعة.


في ما يتعلق بالبُعد الأوروبي، ثمة تقرير كولان ماغي، المنشور أيضًا في موقع «الجزيرة» بعنوان «علاقات إسرائيل بأوروبا تتدهور: هل تستطيع الانتخابات تغيير ذلك»؟ Israel’s Ties with Europe Are Fraying. Can Its Election Change That?  الذي يتناول اتساع الخلاف بين الكيان وعدد من الدول الأوروبية بسبب الحرب والسياسات تجاه الفلسطينيين. وبحسب كولان، قد تكون حكومة أقل تطرفًا أكثر استعدادًا للاستجابة للضغوط وتحسين العلاقات مع العواصم الأوروبية، لكن استعادة الثقة الدولية ترتبط بتغيير الوقائع التي أفضت إلى الأزمة -وفي مقدمتها الحرب في غزة ولبنان، والتوسع الاستيطاني، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية. وسيظل تحسين الصورة الدبلوماسية محدود الأثر إذا لم يصاحبه تغيير في السياسات الميدانية.


وفي الاتجاه نفسه، خلص تقرير لوكالة «أسوشيتد برس»، نشرته صحيفة «الواشنطن بوست» تحت عنوان «قد ينتهي عهد نتنياهو، لكن سياساته تجاه الفلسطينيين ستستمر إلى حد بعيد»Netanyahu Might Be Finished but His Policies Toward the Palestinians Will Largely Endure، إلى أن إرث سنوات نتنياهو في الضفة الغربية، بما يشمل التوسع الاستيطاني وتهجير التجمعات الفلسطينية وتعاظم نفوذ المستوطنين المسلحين، مرشّح للاستمرار حتى إذا تولّت المعارضة الحكم. 

وقد يسعى خصومه إلى تفكيك بعض البؤر الاستيطانية غير المرخّصة والحد من عنف المستوطنين، لكنهم لا يعتزمون إخلاء المستوطنات التي شرعنتها الحكومات أو تفكيك التجمعات الكبرى القائمة منذ عقود.
وثمة تقرير «رويترز» المعنون «كيف يمكن أن تؤثر خسارة نتنياهو الانتخابات في سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين؟»How Would a Netanyahu Election Loss Change Israel’s Policies Toward the Palestinians?  يعزز هذا الاستنتاج. 

وينبه التقرير إلى حقيقة أن غادي آيزنكوت، أحد أبرز منافسي نتنياهو، يعارض قيام دولة فلسطينية مستقلة ويتمسك بالسيطرة الأمنية للكيان على الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، حتى وإن كان يعارض بعض أشكال التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين. وتكشف هذه المواقف حدود التغيير الممكن: تعديل بعض أدوات السيطرة وممارساتها، مع إبقاء البنية الاستيطانية وإخضاع الفلسطينيين خارج نطاق المراجعة الجذرية.


تكشف هذه القراءات -والكثير غيرها- عن فجوة بين أهمية الانتخابات في الصراع الداخلي في الكيان وقدرتها على تغيير السياسات تجاه الفلسطينيين. وينصب الاهتمام في المنافسة على مستقبل نتنياهو، وإخفاقات 7 أكتوبر، والتجنيد الإلزامي لليهود المتدينين، واستقلال القضاء، وتشكيل الائتلاف الحكومي، لكن الحقوق الوطنية الفلسطينية تغيب تمامًا عن مركز التنافس الجدي.

 وقد يتيح تبدّل الحكومة تخفيف بعض الممارسات المتطرفة وتحسين العلاقات الخارجية، لكنه لا يضمن تغيير بنية السيطرة التي أنتجت الاحتلال والاستيطان. وإذا كان ثمة تحول حقيقي، فإنه يتوقف على تغييرات أعمق في مجتمع الكيان ومؤسساته، وعلى قدرة الضغط الدولي على فرض كلفة سياسية واقتصادية لاستمرار الوضع القائم.


وإذن، قد تبدل صناديق الاقتراع الوجوه والحكومات. لكن إنهاء الاحتلال وضمان حرية الفلسطينيين وحقهم في تقرير المصير يتطلبان تغييرًا يطال جذور المشروع الاستعماري الاستيطاني الإبادي القائم في فلسطين نفسه -وهو ما يمكن أن تحققه الكثير من الأشياء –سوى الصناديق والأمنيات.
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية