خطاطبة يكتب : "ما بعد الانتخابات الإسرائيلية"
محمود خطاطبة
لا تتوقف أهمية الانتخابات التشريعية الإسرائيلية الأولى منذ حرب الإبادة الجماعية على غزة في السابع من شهر تشرين الأول 2023، وكذلك العدوان على لبنان وإيران، عند اسم رئيس الحكومة أو هوية أحزاب الائتلاف التي ستُشكل الحكومة؛ فالمسألة الأبعد أثرًا تتعلق بسياساتها في منطقة ملتهبة وبكيفية تفاعل قراراتها مع أزمات قائمة أصلًا في المنطقة.
لهذا، قد تكون مفاوضات تشكيل الائتلاف أكثر من معركة على الحقائب والمناصب ونجاة رئيس وزراء حكومة الاحتلال الحالي بنيامين نتنياهو أو سقوطه، لتُشكل ملامح جزء من تحديد الاتجاه السياسي والعسكري للمرحلة المقبلة.. فإذا عاد نتنياهو إلى الحكم مستندًا إلى ائتلاف يميني وديني متشدد، فقد يجد شركاؤه فرصة أوسع للدفع نحو الابتلاع والتهجير وفرض وقائع جديدة في المنطقة، بشكل يُضيّق خيارات دول الجوار أكثر فأكثر ويزيد الضغوط عليها.
منذ اغتيال إسحاق رابين في العام 1995، اتجهت السياسة الإسرائيلية تدريجيًا نحو مزيد من اليمين، وتراجعت الحاجة إلى تسويق صورتها كدولة تسعى إلى السلام في ظل تنامي التيارات اليمينية والقومية المتطرفة.
وقد تزامل هذا التحول مع تغيرات إقليمية وفّرت لإسرائيل هامشًا أوسع للتحرك وفرض الوقائع على الأرض، مستفيدة من انشغال دول المنطقة بأزماتها وتراجع قدرتها على ممارسة ضغوط فاعلة.
اللافت في مثال رابين الذي ارتبط اسمه بقمع الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987)، وأوامره بتكسير عظام الفلسطينيين، في الحديث عن السلام والتفاوض مع الخصوم، أنها تكشف أن القرارات الإسرائيلية لا تصدر بالضرورة عن رؤية إستراتيجية موحّدة، بل قد تتأثر بالتنافسات الداخلية وحسابات القوى السياسية.
وعليه، فإذا أسفرت الانتخابات عن تشكيل حكومة أكثر براغماتية أو اقل تطرفًا وعدوانية من نتنياهو، فلن يعني ذلك بالضرورة تحولًا جذريًا، فقد تتغير اللغة وقد تختلف حدود استخدام القوة أو إدارة التفاوض، لكن اعتبارات الأمن كما تعرفها المؤسسة السياسية الإسرائيلية ستظل حاضرة، الفارق المحتمل سيكون في مساحة المناورة، وفي القدرة على التراجع عن بعض القرارات أو احتواء نتائجها، وليس في تغيير الاتجاه الاستراتيجي بشكل شامل.
طبعًا، هناك احتمال للانسداد السياسي أو قيام ائتلاف هش، كما حدث في سنوات سابقة، وفي هذه الحالة قد تُصبح القرارات أكثر إغراء لاسيما إذا ارتبط بقاء الحكومة بحسابات نتنياهو السياسية والقضائية وبإرضاء شركاء يملكون القدرة على إسقاطها، حينها قد تتحول السياسة الخارجية والأمنية إلى مسار يحمل مخاطر كبرى على المنطقة، لاسيما أن نتنياهو كان يسعى لاستئناف الحرب على إيران وشمول دول أُخرى بالهجمات قبيل الانتخابات، لكن رئيس أركان جيش الاحتلال، ايال زامير، عارض التوقيت، ولم يُعارض الضربة.
ومع ذلك، فإن ما يجري في إسرائيل لا يفسر وحده ما يحدث في المنطقة، التي تواجه بالأساس تداعيات الحرب على إيران، وضغوطًا اقتصادية واجتماعية متراكمة، من الفقر والبطالة إلى تقلص فرص الشباب وتراجع الثقة والأمل، وهذه عوامل تُصبح أكثر خطورة حين تفشل التنمية في توفير أُفق مقنع للأجيال الجديدة، ولا سيما جيل زد (z) الذي يرى اتساع الفجوة بين تطلعاته والفرص المتاحة أمام، وربما لدول المنطقة في طلاب فرنسا خير مثال.
وهنا، تكمن المسألة التي ينبغي ألا تغيب عن حسابات دول المنطقة: الأمن ضروري، لكنه لا يكفي وحده لحماية الدولة على المدى الطويل، فقد تنجح المؤسسات الأمنية في احتواء اضطراب أو منع انفجار، لكن ذلك لا يُعالج بالضرورة الأسباب، فالدولة - أي دولة - ومهما بلغت قوتها لا يُمكن أن تحمي استقرارها من دون أن توسع فرص العمل والحراك الاجتماعي، أو تُجدد علاقتها بمواطنيها.
ما تزال ملامح المرحلة الإقليمية المقبلة غير مكتملة؛ فالانتخابات الإسرائيلية واحدة من حلقات تشكيلها، وانتخابات التجديد النصفي لـ»الكونغرس» الأميركي حلقة أُخرى، لكن أيًا منهما ليست مفتاحها الوحيد، وقد تأتي الكارثة من تفاعل حسابات انتخابية مع مصالح إقليمية وضغوط داخلية، لا من قرار واحد يصدر في عاصمة بعينها.
على الدول العربية أن تُعالج مواطن هشاشتها، لأن قدرتها على التأثير في مسار الأحداث تبدأ من تماسكها الداخلي، ومن امتلاك مجتمعاتها أسبابًا حقيقية للثقة بالمستقبل لا الرغبة بالهجرة والهروب.







