العثامنة يكتب : "من يحرس المجتمع بعد أن يحرس الأمن الدولة؟"
مالك العثامنة
في كل مرة يواجه فيها الأردن خطرا إرهابيا، تثبت مؤسساته الأمنية قدرتها على حماية الدولة، لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب بعد جريمة الكرك هو من يحمي المجتمع من الأفكار التي تجعل الإرهاب ممكنا، ومن يتولى مواجهة التطرف قبل أن يتحول إلى رصاص ودماء؟
ما جرى في الكرك لم يكن اعتداء على أبرياء فحسب، بل على فكرة الأردن نفسها، وعلى مجتمع عرف كيف يحافظ على تنوعه وتماسكه. غير أن نجاح الأجهزة الأمنية لا ينبغي أن يكون خاتمة النقاش الوطني، بل بدايته، لأن الخطر لا يبدأ حين يحمل متطرف سلاحا، وإنما حين يجد خطاب التكفير والكراهية بيئة تتسامح معه، أو تخشى مواجهته.
ولسنا بحاجة إلى اختراع إستراتيجيات جديدة بقدر حاجتنا إلى تحويل ما نملكه من أفكار ومؤسسات إلى عمل حقيقي. فالأردن الذي أطلق رسالة عمان عام 2004، بما حملته من رفض للتكفير والإقصاء، يستطيع أن ينقل مضامينها من المؤتمرات والندوات إلى المدارس والمساجد والجامعات، وأن يجعلها جزءا من الحياة اليومية، لا وثيقة نستحضرها في المناسبات.
في المدرسة، يمكن لوزارة التربية والتعليم أن تبدأ بحصص حوار منتظمة، يتعلم فيها الطلبة مناقشة الاختلاف الديني والفكري واحترامه، بدلا من الاكتفاء بحفظ النصوص. وقد بدأ الأردن بالفعل إدماج مفاهيم التربية الإعلامية ومواجهة خطاب الكراهية في المناهج، لكن المطلوب اختبار أثرها في سلوك الطلبة، لا الاكتفاء بوجودها في الكتب.
وفي الجامعات الأردنية، من اليرموك إلى مؤتة والجامعة الأردنية، يمكن تحويل متطلبات التربية الوطنية إلى مساحات نقاش حقيقية، يشارك فيها الطلبة ورجال الدين والمثقفون، وتناقش قضايا المواطنة والتعددية والتكفير دون محظورات فكرية، وبعيدا عن الخطابات الاحتفالية.
أما وزارة الأوقاف، فبوسعها أن تجعل مواجهة التكفير موضوعا مستمرا في خطب الجمعة وبرامج تأهيل الأئمة، مع تقييم مضمون الخطاب وتأثيره، بدلا من الاكتفاء بتعميم عناوين جاهزة. ولدينا في تجربة الحوار الإسلامي المسيحي الأردنية، وفي مبادرة «كلمة سواء»، أساس يمكن البناء عليه عبر لقاءات محلية مشتركة، خصوصا بين الشباب.
ويبقى دور الإعلام والثقافة، حيث تستطيع المؤسسات الرسمية والأهلية إنتاج محتوى رقمي قصير يواجه الأفكار الإقصائية بالحجة والمعرفة، ويصل إلى الشباب بلغتهم، بدلا من ترك المنصات لمن يحتكرون الحديث باسم الدين.
هذه ليست مسؤولية أمنية، بل مشروع وطني يمكن للحكومة أن تكلف وزارات التربية والتعليم العالي والأوقاف والثقافة بتنفيذه، ضمن خطة سنوية معلنة، تقاس نتائجها في المدارس والجامعات والمجتمعات المحلية.
بعد الكرك، أدت الأجهزة الأمنية واجبها، ويبقى أن تؤدي بقية المؤسسات واجبها، فالأمن يستطيع أن يمنع الرصاصة التالية، لكن المجتمع الواعي وحده يستطيع أن يمنع الفكرة التي تصنعها.







