الطراونة يكتب : "التاريخ لتفسير الحاضر: قراءة في موسوعة العجلوني"
مكرم أحمد الطراونة
يخوض الدكتور كامل العجلوني تجربة مهمة، من خلال مؤلفه الموسوعي "الغرب والحضارة العربية الإسلامية: عداء دائم أم تعايش المضطر؟ من مؤتة إلى غزة"، يدرس فيه المواجهات المتكررة بين العالمين العربي الإسلامي والغربي، وما إذا كانت تعبيرا عن تناقضات عميقة حافظت على حضورها عبر القرون.
أربعة مجلدات تجمع الوقائع وتسلسلها الزمني، وتبحث عن المنطق الذي حكم العلاقة بين حضارتين أسهمتا، بتفاعلهما وصراعاتهما، في تشكيل جانب كبير من التاريخ الإنساني.
العجلوني يستعيد الأحداث، ويبحث عن الروابط التي تصل بينها، ومحاولة فهم السياقات التي أنتجت الحروب والتحالفات. وهي، بلا شك، مهمة تطلبت جهدا بحثيا كبيرا، بالنظر إلى الامتداد الزمني الذي يغطيه العمل، وتعدد المجالات التي يتناولها. والأهم أن المؤلف يستدعي الماضي لتفسير الحاضر، خصوصا ما يتصل بالقضية الفلسطينية والمواقف الدولية منها.
العلاقة بين الحضارتين شاركت في صياغتها الحروب والمؤسسات الدينية، والمصالح التجارية، وحركات التوسع السياسي، والتنافس على الموارد والمواقع الإستراتيجية. ومن خلال تتبع هذه التحولات، يضع العجلوني أمام القارئ مادة واسعة تساعده على إدراك أن الأحداث الكبرى تنشأ استنادا إلى مقدماتها، لذلك فإن فهم نتائجها يستدعي العودة إلى الظروف والأفكار والمصالح التي مهدت لها.
تهتم الموسوعة بالدور الذي أدته المؤسسات الدينية والتعليمية والطبية في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب، وتدرس نشاط الإرساليات والمستشفيات والمدارس الأجنبية مجالا لفهم وسائل التأثير الثقافي والاجتماعي التي رافقت بعض مشروعات التوسع الغربي.
الدين يحتل موقعا أساسيا في مؤلف العجلوني، فقد أسهم في تشكيل التصورات المتبادلة، وتعبئة المجتمعات، ومنح بعض المشروعات السياسية مشروعيتها الفكرية. وتتضح أهمية المقاربة عند تناول الخلفيات الدينية للصهيونية، والعلاقة بين بعض التيارات المسيحية الغربية والمشروع الصهيوني. هذه المعالجة تتيح فهم جانب من العلاقة بين المعتقد الديني والقرار السياسي، وتلفت إلى أن المصالح الإستراتيجية تعمل دائما ضمن الأفكار والتصورات التي تتبناها المجتمعات ونخبها الحاكمة.
الامتداد التاريخي للموسوعة، يضعها في دائرة النقاش المستقبلي، خصوصا حول التحولات التي شهدها العالمان الغربي والعربي الإسلامي، وما طرأ على هوياتهما ومصالحهما وموازين القوة بينهما، وتأمل العناصر التي حافظت على حضورها عبر القرون. كما يفتح المجال لفهم الصلات بين المواجهات التاريخية من الحروب الصليبية إلى الاستعمار الحديث، ودور المعتقدات والمصالح السياسية والاقتصادية في تشكيلها.
ومن المفيد أيضا استحضار فترات التفاعل الحضاري، وما شهدته من تبادل للعلوم والمعارف والتجارة، بما يثري الأطروحة التي يقدمها العجلوني، ويوسع آفاق النظر إلى العلاقة بين الحضارتين في أبعادها التاريخية والإنسانية المتعددة.
هذا الجزء بالذات هو ما سيثير كثيرا من النقاش حول الامتداد التاريخي، ومفهوم الغرب الذي تتناوله الموسوعة، وهل يمكن المواءمة بين الغرب الذي مثلته الإمبراطورية البيزنطية المختلف في تكوينه السياسي والثقافي عن أوروبا الوسيطة، وعن الدول الأوروبية التي نشأت بعد عصر النهضة والثورة الصناعية. وكذلك العالم العربي الإسلامي بتحولاته الواسعة في دوله ومذاهبه ومراكزه الحضارية.
هناك أيضا، التبادل الحضاري في تاريخ العلاقة بين العالمين، وانتقال العلوم والفلسفة، والأنشطة التجارية والثقافية، وهي تفاعلات لا بد أن يصار إلى تفسيرها، وفهم السياقات التي أفرزتها في إطار السؤال الذي تطرحه الموسوعة عن العداء والتعايش.
الموسوعة تبلغ محطتها المهمة عند القضية الفلسطينية، التي يمنحها العجلوني موقعا مركزيا في مسار العلاقة التاريخية بين العالمين، بما فيها من تقاطع خلفيات دينية ومصالح إستراتيجية. وصول العمل إلى غزة يجعل المأساة الفلسطينية الراهنة جزءا من محاولة أوسع لفهم جذور الصراع، والأسباب التي أسهمت في استمراره، وطبيعة القوى التي تؤثر في مساراته.
لقد أنجز الدكتور العجلوني مشروعا موسوعيا يستحق التقدير لما بذله فيه من جهد في جمع المادة التاريخية وتنظيمها، ولجرأته الفكرية في التصدي لسؤال يمتد أثره من الماضي البعيد إلى أكثر قضايا الحاضر إلحاحا. أهمية المنجز تكمن في الإجابات التي تقدمها، وتتجلى في الأسئلة التي تثيرها، وما تفتحه من آفاق جديدة لفهم التاريخ.







