ماذا بعد جريمة كنيسة الكرك؟... الماضي يجيب
• جريمة الكرك - مهما بلغت قسوتها - لا تعني أن الأردن مقبل على اضطراب داخلي أو أن الثوابت التي قامت عليها الدولة قابلة للاهتزاز بفعل حادثة أمنية
• المرحلة التي تعقب الحوادث الأمنية لا تقل أهمية عن التعامل مع الحادثة نفسها؛ إذ تتسع خلالها الحاجة إلى تفسير ما جرى، وتتزايد محاولات بناء الروايات وتداولها
• مسؤولية الحفاظ على التماسك الوطني في هذه المرحلة تقتضي الفصل بين الوقائع المثبتة والفرضيات، وبين التساؤلات المشروعة والاتهامات التي لا تستند إلى أدلة
• من حق الأردنيين معرفة حقيقة ما جرى، لكن الوصول إلى هذه الحقيقة يجب أن يستند إلى التحقيقات والمعلومات الموثوقة، لا إلى التكهنات أو الروايات التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي
• الثقة بالمؤسسات الرسمية تمثل عنصرًا أساسيًا في احتواء تداعيات الأزمات، وأن الحفاظ عليها يتطلب تواصلًا واضحًا مع الرأي العام
• استهداف بلدة حمود يطرح، إلى جانب البعد الأمني، أسئلة تتعلق برمزية المكان وموقعه في الذاكرة الوطنية
• الذاكرة الوطنية المشتركة تمثل أحد العوامل التي تعزز التماسك الاجتماعي، وأن الحفاظ عليها يتطلب إبراز الإسهامات المتنوعة للأردنيين، وتجنب إعادة قراءة التاريخ من منظور يقوم على الفصل بين مكوناته
• استحضار هذا الإرث بعد الجريمة ينبغي أن يكون مدخلًا لتأكيد وحدة المجتمع، لا مناسبة لتجديد الخلافات أو وضع المواطنين في مواجهة بعضهم بعضًا.
• انتهاء تنظيم داعش جغرافيًا لا يعني بالضرورة زوال الأفكار المتطرفة التي رافقته أو اختفاء آثارها من بعض البيئات
• أفكار التطرف قد تبقى كامنة لدى أفراد، ثم تظهر في سلوك عنيف في ظروف معينة، ما يستدعي التمييز بين التنظيمات التي تدير عمليات بصورة مباشرة وبين الأفراد الذين قد يتأثرون بأفكار متطرفة دون أن تثبت صلتهم التنظيمية بجهة محددة
قال أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور بدر الماضي إن الهجوم الذي استهدف كنيسة في بلدة حمود بمحافظة الكرك يمثل واقعة مؤلمة تتعارض مع قيم المجتمع الأردني وعاداته وتقاليده، مضيفًا أن التعامل مع تداعياته يتطلب قراءة متأنية لأبعاده الاجتماعية، والسياسية، والأمنية، وعدم حصره في ردود الفعل المباشرة أو التفسيرات المتسرعة.
وأوضح في تصريح خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية، أن الحوادث الأمنية ذات الطابع العنيف تفرض على المجتمع والدولة التعامل معها بمستويين؛ الأول يتعلق بكشف ملابسات الجريمة وتحديد المسؤوليات من خلال التحقيقات، والثاني يرتبط بفهم البيئة الاجتماعية والسياسية التي قد تسمح بتوظيف الحادثة لإثارة الخوف أو تعميق الانقسامات، مشددًا على أن الاقتصار على قراءة واحدة لا يتيح فهم الظاهرة بكل أبعادها، وأن تحليلها يستوجب النظر في مختلف العوامل التي قد تؤثر في استقرار المجتمع وتماسكه.
وبيّن الماضي أن جريمة الكرك، مهما بلغت قسوتها، لا تعني أن الأردن مقبل على اضطراب داخلي أو أن الثوابت التي قامت عليها الدولة قابلة للاهتزاز بفعل حادثة أمنية، مشيرًا إلى أن التجربة الأردنية راكمت على مدى عقود أسسًا راسخة في بناء الدولة الوطنية، وترسيخ مرجعية المواطنة والقانون والمؤسسات.
ولفت إلى أن أحد أبرز عناصر الاستقرار الأردني يتمثل في أن العلاقة بين المواطن والدولة تقوم على المواطنة باعتبارها إطارًا جامعًا للحقوق والواجبات، لا على الانتماء الديني أو الجغرافي أو الاجتماعي، مستطردًا أن هذه المرجعية أسهمت في ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية، بحيث تكون مؤسساتها وقوانينها ومظلتها الدستورية هي الأساس الناظم للعلاقة بين المواطنين، بعيدًا عن أي تصنيفات قد تضعهم في جماعات متقابلة أو تجعل انتماءهم الوطني موضع نقاش.
وفي هذا السياق، أشار الماضي إلى خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما تضمنه من تأكيد أن المسيحيين أبناء هذه الأرض، معتبرًا أن هذا الموقف يعكس جوهر التجربة الأردنية التي تتعامل مع المواطنين بوصفهم شركاء في الوطن وتاريخه ومسيرته.
وأضاف أن ردود الفعل التي أعقبت الحادثة، بما فيها تعليقات متداولة من دول عربية، أظهرت استغرابًا من وقوع جريمة من هذا النوع في مجتمع يُعرف بتماسكه وعلاقاته الاجتماعية المتداخلة، متابعًا أن هذه الردود تعكس صورة ارتبطت بالأردن بوصفه دولة تتقدم فيها المواطنة على التصنيفات الفرعية، ويشكل فيها التنوع الاجتماعي والديني جزءًا من بنية المجتمع، لا سببًا لتقسيمه.
ما بعد الجريمة.. حماية المجتمع من الانقسام
ورأى الماضي أن المرحلة التي تعقب الحوادث الأمنية لا تقل أهمية عن التعامل مع الحادثة نفسها؛ إذ تتسع خلالها الحاجة إلى تفسير ما جرى، وتتزايد محاولات بناء الروايات وتداولها، وقد تتحول بعض الاستنتاجات غير المكتملة إلى مواقف عامة قبل ظهور نتائج التحقيقات، محذرًا من أن التسرع في تبني تفسير بعينه قد ينقل المجتمع من المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين إلى سجالات تتصل بالهوية والانتماء، بما يفتح المجال أمام توترات إضافية لا تخدم العدالة أو الاستقرار.
ونوّه إلى أن مسؤولية الحفاظ على التماسك الوطني في هذه المرحلة لا تعني تعطيل النقاش أو منع تحليل الحادثة، فهي تقتضي الفصل بين الوقائع المثبتة والفرضيات، وبين التساؤلات المشروعة والاتهامات التي لا تستند إلى أدلة، مشددًا على أن من حق الأردنيين معرفة حقيقة ما جرى، لكن الوصول إلى هذه الحقيقة يجب أن يستند إلى التحقيقات والمعلومات الموثوقة، لا إلى التكهنات أو الروايات التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ولفت إلى أن تداول المعلومات غير المؤكدة قد يضاعف الأثر الاجتماعي للجريمة، خصوصًا إذا اقترن بتعميم الاتهامات أو تحميل جماعات كاملة مسؤولية أفعال أفراد، معتبرًا أن مثل هذا الخطاب قد يخلق حالة من الشك المتبادل، ويضعف الثقة بين مكونات المجتمع، في الوقت الذي تتطلب فيه الحوادث المؤلمة قدرًا أكبر من التماسك والوعي والمسؤولية.
وأضاف الماضي أن الثقة بالمؤسسات الرسمية تمثل عنصرًا أساسيًا في احتواء تداعيات الأزمات، وأن الحفاظ عليها يتطلب تواصلًا واضحًا مع الرأي العام، وتقديم المعلومات التي تسمح بها إجراءات التحقيق، وتجنب ترك المجال للشائعات كي تملأ الفراغ المعلوماتي، مضيفًا أن الجمهور مطالب بدوره بالتعامل مع ما يُنشر بحذر، وعدم تحويل كل رواية متداولة إلى حقيقة أو أساس لإصدار الأحكام.
حمود وذاكرة الدولة الوطنية
ورأى الماضي أن استهداف بلدة حمود يطرح، إلى جانب البعد الأمني، أسئلة تتعلق برمزية المكان وموقعه في الذاكرة الوطنية، موضحًا أن البلدة، شأنها شأن قرى الكرك وسائر مناطق المملكة، تمثل جزءًا من تاريخ تشكل الدولة الأردنية، وأن أبناءها أسهموا في بنائها عبر مراحل مختلفة وفي قطاعات ومواقع متعددة.
وأشار إلى أن الدولة الأردنية لم تُبنَ بإسهام مجموعة واحدة أو منطقة بعينها، إذ شارك في تأسيسها وتطوير مؤسساتها أبناء مختلف المناطق والمكونات الاجتماعية والدينية، ومن هنا، فإن أي خطاب يحاول احتكار تاريخ الدولة أو اختزال إسهاماتها في فئة محددة يتعارض مع حقيقة التجربة الوطنية التي تشكلت عبر المشاركة الواسعة في بناء المؤسسات وخدمة المجتمع.
وأضاف الماضي إلى أن الذاكرة الوطنية المشتركة تمثل أحد العوامل التي تعزز التماسك الاجتماعي، وأن الحفاظ عليها يتطلب إبراز الإسهامات المتنوعة للأردنيين، وتجنب إعادة قراءة التاريخ من منظور يقوم على الفصل بين مكوناته، معتبرًا أن استحضار هذا الإرث بعد الجريمة ينبغي أن يكون مدخلًا لتأكيد وحدة المجتمع، لا مناسبة لتجديد الخلافات أو وضع المواطنين في مواجهة بعضهم بعضًا.
وشدد على أن كنيسة حمود، بوصفها مكانًا دينيًا واجتماعيًا في البلدة، ترتبط بحياة مجتمعها المحلي وبالعلاقات التي تجمع أبناء المنطقة، وأن استهدافها لا ينبغي أن يُختزل في حدود المكان الذي وقعت فيه الجريمة، و يجب التعامل مع تداعياته بما يحفظ كرامة الضحايا وحقوقهم، ويصون قيم المواطنة والتعايش.
التطرف بعد تراجع التنظيمات.. خطر الأفكار والأفراد
وفي قراءته للبعد الأمني والفكري، أوضح الماضي أن انتهاء تنظيم داعش جغرافيًا لا يعني بالضرورة زوال الأفكار المتطرفة التي رافقته أو اختفاء آثارها من بعض البيئات، لافتًا إلى أن أفكار التطرف قد تبقى كامنة لدى أفراد، ثم تظهر في سلوك عنيف في ظروف معينة، ما يستدعي التمييز بين التنظيمات التي تدير عمليات بصورة مباشرة وبين الأفراد الذين قد يتأثرون بأفكار متطرفة دون أن تثبت صلتهم التنظيمية بجهة محددة.
وذكر أن تحديد طبيعة الهجوم على كنيسة حمود، وما إذا كان مرتبطًا بتنظيم أو خلية أو تحرك فردي، مسألة لا يمكن حسمها بالاستنتاجات الأولية، وإنما بما تكشفه التحقيقات من أدلة وقرائن، محذرًا من أن إطلاق توصيفات أمنية قبل اتضاح المعطيات قد يضلل النقاش العام ويؤدي إلى نتائج سلبية على المستويين الاجتماعي والأمني.
وأضاف أن مواجهة التطرف لا تقتصر على الاستجابة الأمنية بعد وقوع الحوادث، إذ تتطلب أيضًا فهم العوامل الفكرية والاجتماعية التي قد تسهم في انتشاره، وتعزيز قدرة المجتمع على رفض خطاب الكراهية والتحريض، وترسيخ مرجعية الدولة والقانون، مشددًا على أن هذه الجهود ينبغي أن تتكامل، بحيث لا يُحمَّل المجتمع مسؤولية أفعال لم تثبت ملابساتها، ولا يُترك في الوقت ذاته دون أدوات فكرية ومجتمعية تعزز مناعته أمام التطرف.
استجابة الدولة والمجتمع.. بين اليقظة ومنع الهلع
وأشار الماضي إلى أن الاستجابة للأحداث الأمنية تقوم على مستويات متكاملة، تشمل الجاهزية الأمنية، ودور المؤسسات الرسمية، وقدرة المجتمع على التعامل مع الحوادث دون الانجرار إلى الخوف أو ردود الفعل غير المحسوبة، معتبرًا أن وجود هذه المستويات يعزز قدرة الدولة على احتواء تداعيات الحوادث، مع ضرورة الاستمرار في تطوير وسائل الوقاية والاستعداد لمنع تكرارها قدر الإمكان.
وذكر أن الفعل الفردي المتطرف قد يصعب توقعه بصورة كاملة، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية الدولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المواطنين ومراجعة الإجراءات وفق ما تكشفه التحقيقات. وفي المقابل، مشددًا على أن مسؤولية المواطنين تتمثل في المحافظة على الوعي، والامتناع عن نشر المعلومات غير الموثوقة، وعدم تحويل الحادثة إلى مصدر للهلع أو الشك بين مكونات المجتمع.
وأضاف أن الخوف لا يشكل أساسًا لبناء السياسات، وأن التعامل مع الحوادث المؤلمة ينبغي أن يستند إلى الثقة بالمؤسسات، والالتزام بالقانون، والقدرة على استخلاص الدروس من الوقائع دون تضخيمها أو التقليل من خطورتها، داعيًا إلى توظيف النقاش العام في تعزيز المصلحة الوطنية، بدلًا من تحويله إلى ساحة للاتهامات المتبادلة أو نشر الروايات غير المثبتة.
وخلص الماضي إلى أن جريمة الكرك تستدعي كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها، بالتوازي مع حماية النسيج الوطني من محاولات الاستقطاب والانقسام، مشددًا على أن الحفاظ على استقرار الأردن يتطلب الجمع بين اليقظة الأمنية والوعي المجتمعي والمسؤولية في تداول المعلومات، مع التمسك بالمواطنة بوصفها المرجعية الجامعة التي تحفظ حقوق الأردنيين وتماسكهم.







