هل الجامعات الأردنية مستقلة حقًا؟... وما الذي أوصلها إلى ما هي عليه؟
قال رئيس جامعة الحسين بن طلال الأسبق الأستاذ الدكتور نجيب أبو كركي إن إصلاح التعليم في الأردن يتطلب إعادة النظر في طريقة توجيه الطلبة نحو التخصصات الجامعية، وتعريفهم مبكرًا بالمهن والفرص المتاحة في سوق العمل، بدلًا من حصر طموحاتهم في الطب والهندسة، مضيفًا أن التنمية تحتاج إلى تخصصات متنوعة وخطط وطنية قابلة للتنفيذ.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن بعض المدارس في دول العالم تنظم، منذ المراحل الابتدائية، فعاليات تتيح للطلبة الاحتكاك بأصحاب المهن والتعرف إلى طبيعة أعمالهم، الأمر الذي يثير فضولهم ويفتح أمامهم آفاقًا مهنية أوسع، مستطردًا أن الطالب الذي يتعرف إلى نماذج ناجحة في مجالات مختلفة يدرك أن فرص النجاح لا تقتصر على تخصصات بعينها.
وبيّن أبو كركي أن محدودية الخيارات المهنية المتصورة لدى الطلبة تنعكس على قراراتهم الجامعية، لافتًا إلى أنه أنهى دراسته الثانوية وهو يعتقد أن الطب أو الهندسة هما الخياران الأساسيان أمامه، قبل أن يتبين له لاحقًا أن مساره المهني الحالي كان سيختلف كثيرًا لو اختار أحدهما.
تخصصات تحتاجها المنطقة ولا تجد طريقها إلى الجامعات
وفي حديثه عن واقع التخصصات الجامعية، قال إن عددًا كبيرًا من التخصصات الموجودة في العالم لا يتوافر في العالم العربي، معتبرًا أن هذا النقص يرتبط بعدم القدرة على استكشاف الاحتياجات الفعلية للمجتمعات وتحويلها إلى برامج أكاديمية متخصصة.
وأضاف أن المنطقة تحتاج إلى خبرات في مجالات المياه والطاقة والنفط وغيرها من القطاعات الحيوية، مشيرًا إلى أن بعض هذه المجالات لا تحظى في الأردن ببرامج أكاديمية متخصصة تُدرّس وفق الأصول العلمية المطلوبة.
ولفت أبو كركي إلى أن استحداث التخصصات الجديدة يتطلب توفير الكفاءات الأكاديمية القادرة على تدريسها، إلى جانب إعداد خطط وطنية واضحة تحدد الأولويات والاحتياجات، بدلًا من ترك هذه المهمة للمنح والمساعدات الخارجية.
ونوّه إلى إن الدول المانحة، سواء كانت أوروبية أو روسية أو أميركية، لن تضع بالضرورة خططًا تعليمية تحقق احتياجات الأردن على النحو الأمثل، مشددًا على أهمية امتلاك المملكة رؤيتها الذاتية لتطوير التعليم وإعداد الكوادر البشرية.
الخطط وحدها لا تكفي من دون إرادة للتنفيذ
وفي معرض حديثه عن خطط تنمية الموارد البشرية، ميّز أبو كركي بين وجود الخطط على الورق وبين توافر الإرادة الفعلية لتنفيذها، موضحًا أن بعض الخطط تُعدّ وتُحفظ من دون تهيئة الظروف اللازمة لتطبيقها.
وأضاف أن تنفيذ الخطط يتطلب إزالة العقبات التي تعترض طريقها، وإتاحة المجال أمام المؤسسات والأفراد للتحرك ضمن أطر مرنة تسمح بتحقيق الأهداف المعلنة.
وأشار أبو كركي إلى أن القوانين والأنظمة والتعليمات قد تتحول، في بعض الحالات، إلى قيود تحد من قدرة المؤسسات على تطوير أعمالها، مؤكدًا أن التنمية البشرية لا تتحقق بمجرد وضع الخطط، بل تحتاج إلى بيئة تنفيذية تسمح بتحويلها إلى نتائج ملموسة.
ثقافة اجتماعية تحصر النجاح في مهن محددة
وتطرق إلى أثر الثقافة الاجتماعية في خيارات الطلبة، قائلًا إن بعض الأسر تفخر بأن أبناءها أطباء ومهندسون ومحامون وضباط، في حين لا تحظى مهن وتخصصات أخرى بالقدر نفسه من التقدير الاجتماعي.
وأضاف أن هذه الثقافة تتشكل منذ الطفولة، إذ يُسأل الأطفال عما يرغبون في أن يصبحوا عليه مستقبلًا، فتتكرر إجابات مثل الطبيب والطيار والمهندس، ما يعزز الاعتقاد بأن هذه المهن هي المسارات الأساسية للنجاح.
وتابع أبو كركي أن الحل يتطلب إيجاد أسواق وفرص عمل حقيقية للخريجين، وإزالة العقبات التي تحول دون إنشاء المشروعات وتوسيع النشاط الاقتصادي، لافتًا إلى أن بعض التعليمات والإجراءات قد تسهم في إغلاق أبواب يمكن أن توفر وظائف جديدة.
تمويل الجامعات لا يتناسب مع متطلبات التطوير
وفيما يتعلق بتمويل الجامعات الأردنية، قال إن مبلغ 100 مليون دينار المخصص للجامعات، لا يكفي لتغطية متطلبات التطوير والبحث العلمي والابتكار، ولا سيما في الجامعات الواقعة خارج المراكز الرئيسية التي قال إنها لا تحصل على حصة كافية من الدعم.
وأضاف أبو كركي أن المقارنة مع بعض الجامعات الأوروبية تظهر حجم الموارد التي قد تحتاج إليها المؤسسات الأكاديمية حتى تتمكن من إنتاج المعرفة وتطوير الحلول وتوفير بيئة داعمة للإبداع.
وأشار إلى أن الجامعات لا يمكن أن تؤدي دورها التنموي إذا اقتصرت مواردها على الرسوم الدراسية، مؤكدًا أهمية تنويع مصادر دخلها وتعزيز قدرتها على الاستثمار والبحث العلمي.
العدالة في القبول الجامعي وتكاليف دراسة الطب
وتناول أبو كركي مسألة التفاوت في فرص القبول الجامعي، معتبرًا أن ارتفاع معدلات الطلبة لا يضمن حصولهم على مقاعد في التخصصات التي يرغبون فيها، وهو ما قد يضع الأسر أمام أعباء مالية كبيرة إذا قررت تحمل كلفة الدراسة على نفقتها الخاصة.
وأشار إلى أن هذا الوضع يثير تساؤلات بشأن عدالة الوصول إلى التعليم، ولا سيما عندما يصبح الالتحاق ببعض التخصصات مرتبطًا بقدرة الأسرة على دفع الرسوم.
وأضاف أبو كركي أن بعض الدول تتبع أنظمة تسمح للطلبة بدخول تخصصات معينة، ثم تطبق معايير أكاديمية صارمة لتحديد من يستطيع الاستمرار والتخرج، معتبرًا أن مثل هذه النماذج تستحق الدراسة عند بحث سبل تحقيق العدالة في التعليم.
وفي المقابل، انتقد سرعة تغيير السياسات التعليمية قبل أن تنضج الأفكار أو تظهر نتائجها، مشيرًا إلى أن التغييرات المتكررة قد تؤدي إلى إهدار فوائد بعض المبادرات قبل تقييمها بصورة كافية.
استقلالية الجامعات مدخل للإصلاح
ولفت أبو كركي أن الجامعات تحتاج إلى مساحة أوسع من الاستقلالية الأكاديمية والإدارية والمالية، حتى تتمكن من اتخاذ القرارات التي تتناسب مع ظروفها واحتياجاتها.
وقال إن الجامعات التي تمتلك فوائض مالية ينبغي أن تكون قادرة على توظيفها في تطوير برامجها وتحسين أوضاعها، في حين يمكن التعامل تدريجيًا مع الجامعات التي تعاني من المديونية، بما يراعي أوضاع كل مؤسسة ويعزز العدالة بينها.
وأضاف أبو كركي أن السماح للجامعات بإلغاء التخصصات الراكدة وافتتاح برامج جديدة وفق احتياجات سوق العمل قد يساعد على معالجة الاختلالات القائمة، شرط ألا يتحول استحداث التخصصات إلى مبرر لرفع الرسوم على الطلبة.
وأشار إلى أن استقلالية الجامعات يعني تمكينها من إدارة مواردها واتخاذ قراراتها بكفاءة، ضمن أطر واضحة للمساءلة والحوكمة.
قرارات إدارية قد تكلف الجامعات خسائر كبيرة
وفي سياق حديثه عن الحوكمة الجامعية، قال أبو كركي إن بعض القرارات الصادرة عن مجالس الأمناء أو الجهات الحكومية قد تؤثر سلبًا في قدرة الجامعات على الاستثمار والتطوير، مشيرًا إلى أنه يمكن أن يترتب عليها خسائر مالية كبيرة.
وأضاف أن تعدد الجهات التي تتخذ القرارات، وتداخل الصلاحيات بينها، قد يعقد عمل الجامعات ويحد من قدرتها على تنفيذ مشروعاتها، بدلًا من تقديم الدعم اللازم لها.
وأوضح أن بعض الجامعات الحكومية تواجه، وفق ما ذكره، إشكالات تتعلق بالرسوم والضرائب والإجراءات الإدارية، رغم أن وضعها القانوني قد يختلف عن وضع المؤسسات الخاصة، داعيًا إلى مراجعة هذه الملفات بما يضمن عدم تحميل الجامعات أعباء تعيق أداءها.
وأشار أبو كركي إلى أن بعض الجامعات قد تواجه عوائق حتى عند تنفيذ مبادرات تخدم المجتمعات المحيطة بها، مستشهدًا بمشروع لتوفير 50 ميغاواط من الكهرباء لجامعة الحسين بن طلال، قال إنه خُفّض إلى 20 ميغاواط قبل إلغاء المشروع لاحقًا، رغم المراحل التي قطعها.
وذكر أن تطوير التعليم العالي لا يتحقق بزيادة التمويل وحدها، فهو يتطلب مراجعة السياسات والقرارات، وتوسيع استقلالية الجامعات، وربط البرامج الأكاديمية باحتياجات سوق العمل، وتهيئة بيئة تسمح للمؤسسات التعليمية بأن تؤدي دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ودعا أبو كركي إلى تطوير هيكلة مجالس أمناء الجامعات الرسمية الأردنية، في ضوء ما وصفه بوجود خلل كبير ناجم عن تعدد أنظمة الجامعات وتفاوتها، مقترحًا اعتماد نموذج إداري يقوم على إنشاء ثلاثة مجالس أمناء إقليمية تتوزع على أقاليم الجنوب والوسط والشمال، بما يعزز التنسيق المؤسسي ويرفع كفاءة الإدارة الجامعية.
وقال إن معالجة هذا الخلل يمكن أن تبدأ من خلال الاكتفاء بثلاثة مجالس أمناء للجامعات الرسمية؛ يُعنى الأول بجامعات الجنوب، بما فيها جامعة مؤتة وجامعة الحسين بن طلال وجامعة الطفيلة التقنية، والثاني بجامعات الوسط، بما يشمل الجامعة الأردنية وجامعة البلقاء التطبيقية والجامعة الهاشمية، فيما يتولى الثالث شؤون جامعات الشمال، ومنها جامعة آل البيت وجامعة اليرموك وجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية.
وأضاف أبو كركي أن المجالس الثلاثة يمكن أن تتشارك في أركان إدارية ثابتة وموحدة ومتفرغة، تتألف من رئيس للمجالس، ومستشار مالي، ومستشار قانوني، وأمين للسر، بما يسهم في توحيد الإجراءات وتعزيز التنسيق بين مجالس الأمناء، ويحد من التفاوت في أساليب العمل والإدارة.
وأشار إلى أن عضوية كل مجلس، إلى جانب الأركان المشتركة، يمكن أن تضم أكاديميين يحملون رتبة الأستاذية، تختار كل جامعة أحدهم من خارج ملاكها، إضافة إلى رئيس الجامعة، فضلًا عن ثلاثة اقتصاديين يتمتعون بالملاءة والخبرة الاقتصادية والانفتاح على الاستثمار، بما يضمن رفد عملية صنع القرار بخبرات أكاديمية واقتصادية متنوعة.
وخلص أبو كركي إلى أن هذا التنظيم المقترح من شأنه أن يتيح تبادلًا أفضل للخبرات والأفكار بين الجامعات الرسمية، ويعزز التجانس في أساليب إدارتها، ويفتح المجال أمام توحيد أنظمتها وتشريعاتها، بما يدعم التكامل المؤسسي ويخدم تطوير منظومة التعليم العالي في الأردن.







