هل تم الاستخفاف بالفلسطيني؟... 7 أكتوبر ما بين التضحية الواجبة والمقامرة الانتحارية
• عندما تعجز الأيديولوجيا عن مواجهة الواقع، فإنها تفرّ إلى ملاذها الأخير، ألا وهو صناعة الوهم
• مهما كان الموقف من أحداث الطوفان، فإن إدانة حرب الإبادة والمطالبة بوقف العدوان الصهيوني المتواصل على غزة واجب إنساني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل
• المحاسبة ليست خيانة، فهي أعلى درجات المسؤولية الوطنية؛ لأن حماية أرواح البشر ومستقبلهم يجب أن تبقى الغاية الأسمى
• التضحية الاستراتيجية شيء، والمقامرة الانتحارية شيء آخر؛ فالثورات الناجحة لم تكن اندفاعًا أعمى نحو المجهول
• حين يُدمَّر الحاضن الاجتماعي وتُفقد الأرض وتُستنزف مقومات الحياة، ثم يُقال إن بقاء البنية السياسية وحدها هو انتصار، فإننا نكون أمام استخفاف بقيمة الإنسان
• الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الخسارة المادية، وإنما في عقم العقل الذي يرفض التعلم من الكارثة ويصر على إعادة إنتاج الآليات والقرارات نفسها
قال قال الباحث والكاتب في الصحافة العبرية الدكتور حيدر البستنجي إن ذكرى النكبة تفرض، في ظل استمرار الحرب على غزة ودخول حرب الإبادة عامها الرابع، وقفة مراجعة تتجاوز استعادة الشعارات والخطابات التقليدية، لتصل إلى جوهر الأسئلة التي فرضتها الكارثة على الوعي العربي والفلسطيني والإنساني، مضيفًا أن الاصطدام بالحقيقة، مهما كانت مؤلمة، يظل أكثر مسؤولية من الاستمرار في صناعة أوهام الانتصار فوق ركام المأساة.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن مهما كان الموقف من أحداث الطوفان، فإن إدانة حرب الإبادة والمطالبة بوقف العدوان الصهيوني المتواصل على غزة تظل واجبًا إنسانيًا وأخلاقيًا لا يحتمل التأجيل، مشددًا على ضرورة الفصل بين الموقف من القرارات السياسية والعسكرية التي سبقت الحرب أو رافقتها، وبين المسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه ما يتعرض له المدنيون الفلسطينيون من قتل ودمار وتجويع وتهجير.
وبيّن البستنجي أن رفض العدوان لا يعني تعطيل النقد، كما أن نقد القرارات لا يعني بأي حال من الأحوال تبرير الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين، مستطردًا أن الجمع بين الموقفين هو الذي يحفظ للنقاش جديته واتزانه؛ إذ يمكن للمرء أن يدين الحرب وما رافقها من انتهاكات، وفي الوقت ذاته أن يطرح أسئلة صعبة حول القرارات التي سبقتها، وحسابات أصحابها، ومدى قدرتها على حماية المجتمع الفلسطيني وتحقيق أهدافها المعلنة.
وقال إن المشكلة تبدأ عندما تعجز الأيديولوجيا عن مواجهة النتائج، فتفر إلى ملاذها الأخير، والمتمثل في صناعة الوهم من البلاغة والمجاز، وإعادة تدوير الخسائر في صورة بطولات مقدسة، بحيث يتحول الدمار إلى إنجاز، والجوع إلى "صمود أسطوري"، وتختزل معاناة الضحايا في أرقام تُستدعى داخل الخطابات الحماسية دون أن تُطرح الأسئلة المتعلقة بكلفة الحرب ومسارها ومآلاتها.
وأضاف البستنجي أن استمرار حرب الإبادة حتى عامها الرابع يجعل سؤال الإنسان أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لأن القضية لا يمكن أن تُختزل في قدرة أي فصيل على البقاء السياسي أو العسكري، ولا في قدرة الخطاب على إنتاج رواية انتصارية، وإنما في مصير مجتمع بأكمله، وفي حق المدنيين في الحياة والأمن والكرامة، وفي مستقبل الأرض التي تُدمر ومؤسساتها ومقدراتها وبنيتها الاجتماعية.
وأشار إلى أن أخطر ما تصنعه السرديات الأيديولوجية، في تقديره، ليس فقط إعادة تفسير الأحداث، وإنما تعطيل "رادارات الوعي" لدى الجماهير، عندما يصبح الواقع منفصلًا عن الخطاب، وتتحول الحقيقة إلى تهمة، ويصبح النقد نوعًا من الخيانة، والمطالبة بالمحاسبة طعنة في الظهر. وقال إن المجتمع الذي يفقد قدرته على السؤال يفقد، في الوقت ذاته، إحدى أهم أدواته في منع تكرار الكارثة.
وأوضح البستنجي أن هذه الديناميكية ليست جديدة في التاريخ العربي، مستذكرًا ما وصفه المفكر السوري صادق جلال العظم بـ"عقدة إنكار الهزيمة" عقب نكسة حزيران 1967، حين جرى التعامل مع عدم سقوط النظام باعتباره شكلًا من أشكال الانتصار، بدل مواجهة حقيقة الهزيمة وتداعياتها.
وأضاف أن الخطر اليوم يكمن في إعادة إنتاج المنطق ذاته؛ أي التعامل مع حجم الكارثة باعتباره تفصيلًا يمكن للخطاب أن يتجاوزه، بدل أن يكون مدخلًا إلى مراجعة جذرية.
ونوّه البستنجي إلى أن إدانة حرب الإبادة لا ينبغي أن تكون مشروطة بالصمت عن الأسئلة الأخرى، كما أن طرح الأسئلة الأخرى لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتبرير حرب الإبادة، معتبرًا أن كلا الأمرين يمكن أن يجتمعا في موقف أخلاقي وسياسي واضح، ألا وهو رفض قتل المدنيين وتجويعهم وتهجيرهم وتدمير مقومات حياتهم، وفي الوقت نفسه ممارسة النقد والمساءلة تجاه كل قرار سياسي أو عسكري أسهم في إدخال المجتمع إلى دائرة الحرب أو لم يوفر له الحماية الكافية.
وقال إن حراس الأيديولوجيا قد يلجؤون، عند مواجهة هذا النوع من النقد، إلى "شيطنة النوايا"، واتهام صاحبه بالانهزامية أو تبني رواية العدو أو جلد الذات، موضحًا أن هذه الطريقة تستبدل مناقشة الفكرة بالحكم على صاحبها، وتمنع الوصول إلى جوهر المسألة، مضيفًا أن المحاسبة ليست خيانة وطنية، كما أن إدانة العدوان ليست إعفاءً لأصحاب القرار من النقد، وإنما المسؤولية الحقيقية تقتضي أن تبقى حياة الإنسان ومصلحة المجتمع في مقدمة أي حساب سياسي.
وأشار البستنجي إلى أن محاولة تعريف النصر بعيدًا عن النتائج الفعلية تمثل واحدة من أخطر المعضلات الفكرية التي تواجه المجتمعات أثناء الحروب، إذ يمكن أن يجري الحديث عن "كسر هيبة الخصم" أو "إبقاء القضية حية" أو "إفشال أهداف العدو"، بينما يبقى السؤال الأساسي معلقًا حول ما الذي تحقق فعليًا؟... وما الكلفة التي دفعها المجتمع؟... وهل تتناسب النتائج مع حجم التضحيات؟.
وأضاف أن التفريق بين "التضحية الاستراتيجية" و"المقامرة" يصبح ضروريًا عند تقييم أي تجربة عسكرية أو سياسية، موضحًا أن التجارب التاريخية الناجحة لم تكن تقوم على تجاهل الكلفة البشرية، وإنما على حسابات دقيقة للاستنزاف والقدرة على الاستمرار ووجود الحاضنة الاجتماعية وشبكات الحماية والقدرة على تحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية قابلة للتحقق.
وقال إن تحويل تدمير الحاضنة الاجتماعية وفقدان مقومات الحياة إلى إنجاز لمجرد بقاء الهيكل السياسي للفصيل يطرح سؤالًا أخلاقيًا بالغ القسوة حول من الذي سيعيش ليحصد ثمار هذا النصر؟، مضيفًا أن الإنسان لا يمكن أن يكون مجرد مادة في معادلة الصراع، وأن حماية المجتمع ينبغي أن تكون جزءًا أصيلًا من أي استراتيجية تدعي تمثيله والدفاع عن قضيته.
وأشار البستنجي إلى أن مرور عام بعد آخر على حرب الإبادة، مع استمرار المعاناة الإنسانية، يجعل قضية حماية المدنيين ووقف العدوان أولوية لا تحتمل التأجيل، معتبرًا أن وقف الحرب ليس نقيضًا للمقاومة السياسية ولا تنازلًا عن الحقوق، وإنما هو قبل كل شيء ضرورة لحماية الإنسان ومنع استمرار استنزاف المجتمع.
وأوضح أن الاعتراف بحجم المأساة الإنسانية لا يعني تبني رواية سياسية واحدة حول أسباب الصراع، كما أن المطالبة بوقف العدوان لا تعني إسقاط حق المجتمع في مساءلة قراراته وقياداته، لافتًا إلى أن المجتمعات القوية هي التي تستطيع الجمع بين رفض الظلم الخارجي وممارسة النقد الداخلي، دون أن تسمح لأي منهما بإلغاء الآخر.
وأضاف أن اللجوء إلى التفسيرات الغيبية لتبرير الكارثة، وتحويلها إلى "ابتلاء" أو "تمحيص"، قد ينقل النقاش من المجال السياسي والاستراتيجي إلى مجال يعلّق المسؤولية البشرية، مضيفًا أن الإيمان لا ينبغي أن يصبح بديلًا عن العقل، وأن تفسير نتائج الحروب يحتاج إلى النظر في موازين القوى والاستعداد والتخطيط وحسابات المخاطر والقدرة على حماية المدنيين.
وقال إن ذريعة "الاضطرار" لا تعفي صانع القرار من المسؤولية، لأن القيادة تعني القدرة على التقدير والمفاضلة واتخاذ القرار وتحمل نتائجه، موضحًا أن الاعتداء الإسرائيلي وما يصفه بحرب الإبادة يتحمل مسؤوليته من يرتكب أفعاله ويقرر استمرارها، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية أي جهة تتخذ قرارات مصيرية عن دراسة تبعات تلك القرارات ومحاولة تقليل كلفتها على المجتمع.
وأشار البستنجي إلى أن تحميل المعتدي مسؤوليته لا يعني إسقاط المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الآخرين، كما أن مساءلة أصحاب القرار لا تعني منح المعتدي أي مبرر لجرائمه، معتبرًا أن الخلط بين المستويين هو أحد أسباب انسداد النقاش العربي؛ إذ يتحول نقد القرار إلى تبرير للعدوان، ويتحول رفض العدوان إلى حصانة مطلقة للقرار.
وأضاف أن الخطر الأكبر لا يكمن في الخسائر المادية وحدها، لأن الأموال والجهود قد تستطيع في مرحلة لاحقة إعادة بناء ما تهدم، وإنما في استمرار العقل الذي يرفض التعلم من التجربة، مشيرًا إلى أن إعادة إنتاج الآليات والقرارات نفسها مع انتظار نتائج مختلفة تعني أن الكارثة لم تتحول إلى معرفة، وأن الألم لم يتحول إلى درس، وأن الضحايا لم يتحولوا إلى مسؤولية أخلاقية تمنع تكرار المأساة.
ولفت البستنجي إلى أن ذكرى النكبة، في ظل حرب تدخل عامها الرابع، ينبغي ألا تكون مجرد استعادة للذاكرة، وإنما فرصة لإعادة طرح السؤال الفلسطيني من زاويتين متلازمتين: كيف يمكن وقف العدوان وحماية الفلسطينيين وإنهاء حرب الإبادة، وكيف يمكن في الوقت ذاته إجراء مراجعة صريحة للقرارات والاستراتيجيات التي قادت إلى هذه الكلفة الهائلة؟.
وخلص إلى أن الدفاع عن القضية الفلسطينية لا يحتاج إلى صناعة وهم، وإن إدانة العدوان لا تحتاج إلى إلغاء العقل النقدي، مستطردًا أن احترام الضحايا يبدأ من رفض تحويل دمائهم إلى مادة في السجالات، ومن وضع الإنسان في مركز أي حساب سياسي أو عسكري، ومن امتلاك شجاعة الاعتراف بما تحقق وما لم يتحقق.
وأضاف البستنجي أن الاصطدام بجدار الحقيقة قد يكون مؤلمًا، لكنه أقل كلفة من الاستمرار في بناء واقع وهمي، مشددًا على أن السؤال الذي تفرضه الذكرى اليوم ليس مرتبطًا بما إذا كنا قد انتصرنا أم خسرنا؟، وإنما: كم دفع الإنسان ثمنًا؟... ماذا تحقق فعلًا؟... ماذا كان يمكن تجنبه؟... ومن يتحمل مسؤولية القرار؟... وهل ستكون هذه الحرب نقطة مراجعة حقيقية، أم أن التاريخ سيجد نفسه أمام الحلقة ذاتها مرة أخرى؟.







