بعد ثلاث سنوات من "الطوفان".. ماذا بقي من غزة؟
تساءلت الكاتبة هالا حسين من غزة، بعد مرور ثلاث سنوات على أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، عمّا تبقى من غزة بعد حرب ألحقت دمارًا واسعًا بالبنية التحتية والمجتمع الفلسطيني، مشيرةً إلى أن تقييم أي حرب لا ينبغي أن يتوقف عند لحظة بدايتها أو عند ما تحققه من مكاسب عسكرية أولية، إذ يجب أن يمتد إلى قراءة نتائجها وتداعياتها على السكان ومستقبل القضية.
وقالت في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية إن جزءًا من الخطاب المؤيد لحركة حماس لا يزال يتعامل مع السابع من أكتوبر كما لو أن التاريخ توقف عند الساعات الأولى لذلك اليوم، إذ تُستعاد مشاهد الهجوم والمفاجأة العسكرية وتُبنى عليها رواية كاملة عن "الانتصار"، في حين يجري، تجاوز السؤال الأهم المتعلق بما حدث بعد ذلك، وما الذي تركته الحرب وراءها على مستوى الإنسان والمكان والمستقبل السياسي.
وأوضحت حسين أن الحروب لا تُقاس فقط بكيفية اندلاعها، ولا بالضربة الأولى التي تحققها، وإنما بما تتركه من نتائج بعد توقف القتال، لافتةً إلى أن حجم الخسائر البشرية والمادية في غزة يفرض إعادة طرح الأسئلة بصورة أكثر جدية وواقعية، بعيدًا عن الشعارات التي تختزل المشهد في لحظة عسكرية واحدة.
وأشارت إلى أن الحرب خلفت، وفق الأرقام التي تستند إليها، أكثر من 70 ألف شهيد فلسطيني، وأكثر من 170 ألف مصاب، فيما نزح نحو 1.9 مليون شخص، وفقد أكثر من 60% من السكان منازلهم، معتبرةً أن هذه الأرقام لا تمثل مجرد خسائر إحصائية، وإنما تعكس تحولات عميقة طالت البنية الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية في القطاع.
وبيّنت حسين أن تقديرات مشتركة للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي أشارت إلى أن الأضرار المادية المباشرة بلغت نحو 35.2 مليار دولار، فيما وصلت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية إلى نحو 22.7 مليار دولار، في حين تحتاج عملية التعافي وإعادة الإعمار، وفق تلك التقديرات، إلى نحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات.
وقالت إن هذه الأرقام تكشف أن القضية تتعلق بإعادة بناء مجتمع كامل تعرضت مقومات حياته الأساسية لضربة هائلة، موضحةً أن القطاعات الصحية والتعليمية كانت من أكثر القطاعات تضررًا، وأن آثار الحرب ستتجاوز جيلًا كاملًا من الأطفال والشباب الذين فقدوا بيئة التعليم والاستقرار والنمو الطبيعي.
واستطردت قائلة إن حجم الركام والدمار يضع غزة أمام تحدٍ طويل الأمد، إذ إن إعادة الإعمار تحتاج إلى أموال ضخمة، وإدارة قادرة على التخطيط والتنفيذ، وبيئة سياسية تسمح بعملية إعادة البناء، مشيرةً إلى أن مجرد انتهاء العمليات العسكرية قد يكون بداية لمرحلة أكثر صعوبة تتعلق بكيفية إدارة ما خلفته المواجهة.
ونوّهت حسين إلى أن الحديث عن مسؤولية إسرائيل عن الدمار والانتهاكات المحتملة للقانون الدولي لا يلغي سؤالًا آخر، وصفته بالمشروع، يتعلق بالقيادة التي قررت الدخول في الحرب، وبالاستعدادات التي سبقت ذلك، وما إذا كانت هناك خطة واضحة للتعامل مع النتائج التي كان يمكن توقعها.
وتساءلت: ماذا كان متوقعًا أن يحدث بعد الهجوم؟... وما خطة حماية المدنيين التي أُعدت مسبقًا؟... وما المكاسب السياسية التي كان يُفترض أن تتحقق؟، معتبرةً أن طرح هذه الأسئلة لا يعني تجاهل المسؤولية الإسرائيلية عن الحرب ونتائجها، بقدر ما يعني ضرورة التمييز بين مسؤولية الطرف الذي يشن الحرب ويدمر، ومسؤولية الطرف الذي يقرر خوض مواجهة وهو يدرك أن لها أثمانًا وتداعيات على السكان.
ولفتت حسين إلى أن القدرة على بدء مواجهة عسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على إدارة نتائجها، مشددةً على أن امتلاك المبادرة في اللحظة الأولى يختلف بصورة جوهرية عن امتلاك مشروع سياسي وإنساني قادر على حماية المجتمع خلال الحرب وبعدها.
وأضافت أن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم يتمثل في معرفة ما إذا كانت الحرب قد أنتجت مكاسب سياسية واجتماعية حقيقية للفلسطينيين، متسائلةً عمَّا إذا كان الفلسطينيون أصبحوا أقرب إلى إقامة دولتهم، أو باتوا أكثر أمنًا، أو تحسنت أوضاعهم في مجالات التعليم والصحة والاقتصاد، أو ظهرت أمامهم طريق سياسية أكثر وضوحًا وقابلية للحياة.
وقالت حسين إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن فصلها عن الواقع الذي باتت عليه غزة بعد ثلاث سنوات من الحرب، مشيرةً إلى أن أي مشروع لإعادة بناء القطاع يحتاج إلى أكثر من الأموال والمواد، إذ يتطلب إدارة كفؤة ومؤسسات قادرة على العمل ورؤية سياسية واضحة تحدد شكل المرحلة المقبلة ومسارها.
وذكرت أن غزة التي خرجت من الحرب ليست هي غزة التي دخلتها، وأن حجم التحولات التي أصابت السكان والمكان والاقتصاد والخدمات يجعل من الصعب التعامل مع المرحلة المقبلة بمنطق الشعارات أو الاحتفاء بذكرى البداية وحدها، مشيرة إلى أن التقييم الحقيقي ينبغي أن ينطلق من سؤال المسؤولية السياسية والإنسانية، ومن القدرة على تقديم إجابة عملية عن مستقبل القطاع.
وخلصت حسين إلى أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ثلاث سنوات يتعلق بما فعلته الحرب بغزة، وما الذي يمكن فعله لإنقاذ ما تبقى منها، وإعادة بناء حياة الفلسطينيين، وفتح مسار سياسي قادر على تحويل المأساة الإنسانية إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا.







