اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عوض يكتب: بانتظار موجات تضخم عالمية إضافية

{title}
أخبار الأردن -

 

أحمد عوض


لم يتعافَ العالم بعد من موجات الغلاء التي أعقبت جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، حتى بدأت تتجمع مؤشرات على موجات تضخم إضافية. فتداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ودخولها مرحلة حرب الاستنزاف متوسطة أو طويلة المدى، واضطراب إمدادات الطاقة وحركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب تصاعد الحرب في أوكرانيا، كلها عوامل تدفع أسعار الطاقة والنقل والتأمين إلى الارتفاع، ومن ثم تنتقل تكاليفها تدريجياً إلى أسعار الغذاء والسلع والخدمات.
 

قبل أيام، حذرت مديرة صندوق النقد الدولي من أن العالم ربما يكون أكثر تفاؤلاً مما ينبغي بشأن حجم صدمة الطاقة ومدتها. فصمود الاقتصاد العالمي حتى الآن لا يعني انتهاء الخطر، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز والمنتجات البترولية وتراجع قدرة الدول على الاستمرار في استخدام احتياطياتها لتعويض نقص الإمدادات.
لكن القضية الأهم هنا ليست فقط إلى أي مستوى سيصل التضخم، وإنما من سيدفع كلفته؟ التضخم ليس مجرد مؤشر اقتصادي يرتفع أو ينخفض، بل عملية تعيد توزيع الدخل والثروة داخل المجتمعات. وعندما ترتفع أسعار الغذاء والطاقة والسكن والنقل، لا يتحمل الجميع العبء نفسه. الأسر الفقيرة والمتوسطة تنفق معظم دخولها على هذه الاحتياجات، ولذلك فإن أي زيادة في أسعارها تقتطع مباشرة من قدرتها على العيش.
أما أصحاب الدخول والثروات المرتفعة، فلديهم قدرة أكبر على امتصاص ارتفاع الأسعار، كما يمتلك كثير منهم عقارات وأسهماً وأصولاً يمكن أن ترتفع قيمتها مع التضخم. لذلك، يمكن للتضخم أن يعمل عملياً كآلية غير معلنة لنقل جزء من الدخل والثروة من الفئات التي تعتمد على الأجور والدخول الثابتة إلى الفئات الأكثر قدرة على حماية ثرواتها.
وهذا يعني أن موجات التضخم الجديدة، إن استمرت، ستدفع باتجاه المزيد من التفاوت الاجتماعي واللامساواة الاقتصادية عالمياً. فالأجور عادة لا ترتفع بالسرعة نفسها التي ترتفع بها الأسعار، وبالتالي تتراجع قيمتها الحقيقية. والمتقاعدون وأصحاب الدخول المحدودة أكثر عرضة لهذه الخسارة، بينما تجد عشرات ملايين الأسر حول العالم نفسها مضطرة إلى تخفيض استهلاكها من الغذاء أو الصحة أو التعليم لتغطية النفقات الأساسية.
وتصبح الصورة أكثر قسوة في بلدان الجنوب العالمي، التي تستورد الكثير من احتياجاتها من الطاقة والغذاء، بينما تعاني في الوقت نفسه من ارتفاع الديون وضعف نظم الحماية الاجتماعية. ومع ارتفاع كلفة خدمة الدين، تضيق قدرة الحكومات على زيادة الإنفاق الاجتماعي في اللحظة التي يحتاج فيها المواطنون إليه أكثر من أي وقت مضى.
كما أن مواجهة التضخم برفع أسعار الفائدة تحمل كلفة اجتماعية أخرى. فالفائدة المرتفعة تزيد كلفة الاقتراض على الأسر والشركات، وتضعف الاستثمار والنمو وخلق فرص العمل. وهكذا قد تجد قطاعات واسعة من سكان العالم نفسها أمام معادلة صعبة، أسعار أعلى، وأجور حقيقية أقل، وقروض أغلى، وفرص عمل أضعف.
والأخطر أن انخفاض التضخم لاحقاً لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. فعندما يتراجع التضخم لاحقاً، فهذا يعني أن الأسعار ما تزال ترتفع، ولكن بوتيرة أبطأ. لذلك قد تتحسن المؤشرات الاقتصادية بينما تستمر معاناة الناس من تكاليف المعيشة المرتفعة.
من هنا، لا ينبغي التعامل مع موجات التضخم المقبلة باعتبارها مسألة تخص البنوك المركزية وحدها تحاول معالجتها بأدوات السياسة النقدية المعتادة. إنها في جوهرها قضية عدالة اجتماعية وتوزيع للدخل والثروة. ومواجهتها تتطلب، إلى جانب السياسات النقدية، حماية الأجور الحقيقية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وحماية الإنفاق على الصحة والتعليم، وبناء نظم ضريبية أكثر عدالة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية