العايدي يكتب: الهاشميون (2): سر التجربة الأردنية
د.محمد صبحي العايدي
إن سؤال التجربة الأردنية ليس سؤالاً تاريخياً عن متى تأسست الدولة؟ فهذا تجيب عنه كتب التاريخ، وإنما: كيف استطاع الهاشميون، والأردنيون بناء دولة امتلكت القدرة على الاستمرار في إقليم شهد خلال قرن انهيار دول، وتغير أنظمة واضطرابات عصفت بمجتمعات؟
يمكن فهم سر التجربة الأردنية من خلال ركيزتين تلازمتا منذ التأسيس: بناء مؤسسات وقوانين، والثانية: الشرعية الهاشمية الجامعة.
فالهاشميون لم يدخلوا التاريخ السياسي الحديث من بوابة الدولة القطرية ابتداء، وإنما من بوابة المشروع العربي النهضوي الذي حملته الثورة العربية الكبرى، أي إن الفكرة سبقت الدولة، وهذه مسألة مهمة، لأن بعض الدول تبحث عن رواية تمنح وجودها معنى، بينما نشأ الأردن وفي خلفيته رواية تاريخية وسياسية أوسع من حدوده: الاستقلال، والنهضة العربية، ووحدة الأمة، والشرعية الدينية والتاريخية التي يحملها البيت الهاشمي.
وحين وصل الأمير عبدالله بن الحسين إلى عمان عام (1921)، لم تكن الظروف مثالية لقيام دولة، فالمنطقة كانت خارجة من الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، والمشروع العربي في دمشق أجهض، والاستعمار يعيد تشكيل المشرق، فيما كانت إمكانات شرق الأردن محدودة، ومع ذلك بدأت صناعة الدولة.
وهنا ظهرت الركيزة الأولى: المؤسسة، فمن بناء الإدارة والجيش، إلى تطور الحياة الدستورية والنيابية، ثم الاستقلال عام (1946)، وصولاً إلى دستور عام (1952)، في عهد الملك طلال، انتقلت الدولة تدريجياً من شرعية التأسيس إلى شرعية المؤسسة، وهذا التحول مهم، لأن الدولة عندما تتحول إرادة المؤسس إلى قانون ومؤسسات، فإن الدولة تكتسب القدرة على الاستمرار والبقاء.
لكن المؤسسات والقانون وحدها لا تفسر سر التجربة الأردنية، بل ثمة ركيزة ثانية لا تقل أهمية هي الشرعية الهاشمية بما تحمله من أبعاد دينية وتاريخية وعربية، فالانتساب إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيادة الثورة العربية الكبرى، وما تراكم بعد ذلك من تاريخ الدولة، منح الحكم الهاشمي رصيداً من الشرعية يتجاوز مفهوم السلطة السياسية المجردة، وهنا يجب أن نفرق بين شرعية الحكم وقدرة الحكم.
وهذه الشرعية لم تبق مجرد نسب تاريخي، بل ساعدت مع تراكم الإنجاز السياسي والمؤسسي على إيجاد مساحة جامعة تلتقي حولها مكونات المجتمع الأردني المختلفة، فالدولة الحديثة تحتاج إلى المؤسسات والقانون، لكنها تحتاج إلى شرعية تجعل المجتمع يرى في نظامها السياسي إطاراً جامعاً له، وهذا جانب مهم من خصوصية الأردن، فالتنوع الاجتماعي الأردني لم يتحول إلى صراع على هوية الدولة أو شرعية الحكم، بل استطاعت الشرعية الهاشمية أن تكون مساحة تلتقي عندها مكونات المجتمع المختلفة، بينما وفرت المؤسسات إطاراً تنظيمياً لهذا الاجتماع.
ولا يعني ذلك أن الأردن لم يعرف الأزمات أو الخلافات، وإنما يعني أن الخلاف السياسي في أغلب المحطات لم يتحول إلى خلاف على أصل الدولة وشرعية وجودها.
ففي عهد الملك الحسين بن طلال مر الأردن بحرب (1967)، ومعركة الكرامة، وأزمات داخلية وإقليمية قاسية، وأزمات اقتصادية، وتحولات في النظام العربي، ثم عادت الحياة البرلمانية عام (1989)، وفي كل مرة كان الأردن يواجه أزمة، كان السؤال يعود: كيف حافظت الدولة على استمراريتها؟
ومع الملك عبدالله الثاني بن الحسين دخلت الدولة امتحانات من نوع آخر، الإرهاب، وحروب العراق وسورية، وموجات اللجوء، والأزمات الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية والرقمية، وما رافقها من حاجة إلى التحديث السياسي والاقتصادي والإداري.
وهنا ينبغي أن لا نخلط بين الاستقرار والجمود، فالاستقرار الحقيقي ليس أن تبقى الدولة كما هي، وإنما أن تمتلك القدرة على التغيير دون أن تفقد ذاتها، وفي الفكر الأصولي، المحافظة على المقاصد لا تعني الجمود على الوسائل، بل قد يصبح تغيير الوسائل ضرورة لحماية المقاصد، وكذلك الدولة ثوابتها في وحدتها وأمنها وهويتها وسيادة القانون، ومصالحها العليا، أما أدوات الإدارة والسياسات وآليات المشاركة فهي مجال للمراجعة والتطوير.
ولهذا فإن الوفاء للتجربة الهاشمية لا يعفي من الإنجاز، كما أن قوة المؤسسات لا تعفيها من الإصلاح، فالشرعية التي لا تتجدد بالإنجاز قد تستهلك رصيدها، والمؤسسة التي لا تتطور قد يسبقها الزمن، ولهذا فالسؤال الأهم هنا بعد هذا الإنجاز، كيف يستثمر الأردنيون هذه الخصوصية من أجل أن يصنعوا مستقبلهم؟







