اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدعجة يكتب: قمة بريكس: نحو عالم متعدد الأقطاب وشراكة للتنمية والسلام

{title}
أخبار الأردن -

 

حسن الدعجة


تتجه الأنظار إلى نيودلهي، حيث تُعقد قمة بريكس الثامنة عشرة يومي 12 و13 سبتمبر 2026، في لحظة تستدعي قيادة دولية قادرة على توسيع مساحات التعاون وبناء الثقة. وتكتسب مشاركة الرئيس الصيني شي جينبينغ أهمية خاصة، لما تحمله رؤيته من إيمان بقيمة التنمية المشتركة وقدرة الدول على صناعة مستقبل أكثر توازنًا. وتوفر القمة فرصة متجددة لترجمة هذا الطموح إلى شراكات تعزز حضور الجنوب العالمي، وتمنح شعوبه أملا أوسع في التقدم والاستقرار.
 

وتنسجم أولويات الرئاسة الهندية، القائمة على المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة، مع الحاجة إلى جعل الإنسان محور العمل الدولي. وهذه الأولويات تمنح القمة مضمونًا عمليًا يتصل بحياة الناس، من الأمن الغذائي والطاقة إلى التكنولوجيا وفرص العمل. ومن هنا تأتي قيمة بريكس بوصفه مساحة تلتقي فيها قدرات اقتصادية وتجارب تنموية متنوعة، تستطيع، بتكاملها، توسيع قاعدة الازدهار وإطلاق مشروعات تتجاوز حدود الدول إلى خدمة المصالح المشتركة. 
وفي قلب هذا الأفق، تستحق الرؤية الصينية تقديرا رفيعا؛ فهي تمنح العلاقة بين صعود الصين وتقدم شركائها مكانة أساسية في التفكير بالمستقبل. وتكمن جاذبيتها في الربط بين التنمية والسلام، وبين الانفتاح واحترام الخصوصيات الوطنية. وفي تقديري، فإن مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية يقدم إطارا ملهما لفهم الترابط العالمي، حيث يصبح تقدم الآخرين مصدرًا لتعزيز الاستقرار وتوسيع الفرص، وتغدو المسؤولية الدولية مشاركة في بناء شروط الحياة الأفضل.
وتبرز هنا أهمية بريكس في دفع التحول نحو تعددية الأقطاب، عبر توسيع المشاركة في صياغة القواعد الاقتصادية والسياسية العالمية. فالتعددية تكتسب قيمتها عندما تمنح الدول النامية صوتًا مؤثرًا، وتربط صنع القرار الدولي بالتمثيل العادل واحترام السيادة. وتستطيع المجموعة الإسهام في إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، وتعزيز دور الأمم المتحدة، وبناء توازن يفتح المجال أمام شراكات أكثر إنصافًا. وهذه وجهة تمنح الرؤية الصينية جاذبية خاصة لدى الشعوب المتطلعة إلى استقلال قرارها وتكافؤ فرصها.
وتبرز قوة هذه الرؤية عندما تُقرأ من منظور احتياجات الدول النامية. فهذه الدول تتطلع إلى مصانع تنتج، وجامعات تبتكر، وشبكات نقل تربط الأسواق، ومؤسسات صحية تستخدم التقنيات الحديثة. ومن شأن توسيع التعاون مع الصين في هذه المجالات أن يمنح بريكس قدرة أكبر على تحويل التطلعات إلى نتائج ملموسة. وهنا تتجلى القيمة الاستراتيجية للقيادة التي تربط مكانة الدولة بقدرتها على الإسهام في تمكين شركائها وتوسيع آفاقهم الإنتاجية والمعرفية.
ويقدم بنك التنمية الجديد مثالا مؤسسيا مهما على إمكانات التعاون الجماعي. فقد أسسته دول بريكس الخمس المؤسسة، مع تركيزه على تمويل البنية التحتية والتنمية المستدامة. وتتيح هذه المؤسسة توجيه الموارد إلى أولويات وطنية حقيقية، بما يعزز قدرة الدول على تنفيذ مشروعاتها. ومن هذه الزاوية، يكتسب دعم التمويل التنموي أهمية كبرى في تحويل التضامن بين دول الجنوب إلى طاقة اقتصادية منتجة، وتحسين الخدمات العامة وتهيئة بيئة أوسع للاستثمار والعمل. المصدر
وتفتح قمة نيودلهي مجالا واعدا للتفكير في شراكات صناعية أكثر عمقا، تجمع الموارد الطبيعية بالخبرات التقنية والأسواق الواسعة. ويمكن للتعاون في الطاقة الشمسية والبطاريات والتصنيع المتقدم والاقتصاد الرقمي أن يؤسس لمرحلة تتوزع فيها فرص الإنتاج بين دول متعددة. وتزداد قيمة الدور الصيني كلما اقترن الاستثمار بتدريب الكفاءات، وإنشاء مراكز البحث، وتوطين المعرفة، بما يساعد الشركاء على امتلاك أدوات التقدم والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد العالمي.
وفي المجال المالي، يحمل توسيع خيارات التسوية بالعملات الوطنية إمكانات مفيدة للتجارة والاستثمار، متى استند إلى ترتيبات موثوقة وتوافق بين الأطراف. فتنوع الأدوات المالية يمنح الاقتصادات مرونة إضافية، ويفتح أمام الشركات قنوات أوسع للتعامل. وأرى أن الإنجاز الأهم الذي تستطيع بريكس البناء عليه هو تعزيز حرية الاختيار الاقتصادي، وتطوير تعاون يحترم مصالح جميع الأعضاء، ويجعل الثقة والمنفعة المتبادلة أساسًا لاستدامة العلاقات.
أما دعم الاستقرار الدولي، فيبدأ من إدراك الترابط بين الأمن والتنمية. فخلق فرص العمل، وتقليص الفقر، وتأمين الغذاء والطاقة، عوامل تعزز قدرة المجتمعات على الصمود وتحد من أسباب الاضطراب. ويمكن لبريكس توظيف علاقات أعضائه لدعم الحوار والوساطة والتسويات السلمية، وحماية التجارة والممرات الحيوية. وتستحق الرؤية الصينية الإشادة بما تتيحه من أساس فكري لربط التعاون الاقتصادي بمسؤولية جماعية عن السلام، وترسيخ احترام القانون الدولي ومصالح الشعوب المشروعة.
كما تضفي مشاركة الرئيس شي في قمة تستضيفها الهند دلالة إيجابية على أهمية التواصل بين القوى الكبرى. فالحوار الصيني الهندي يحمل إمكانات واسعة لتعزيز الاستقرار الآسيوي ودعم التعاون داخل بريكس. وكل تقدم في بناء الثقة بين بكين ونيودلهي يفتح المجال أمام مصالح مشتركة أوسع، ويؤكد أن الحكمة السياسية تستطيع إدارة الاختلافات وصون فرص التنمية. وهذه روح تحتاجها العلاقات الدولية اليوم بشدة.
وعربيا، تتيح بريكس أفقا رحبا لشراكات تربط الموقع الجغرافي والموارد والاستثمارات بالتكنولوجيا والإنتاج والتعليم. وتستطيع الدول العربية استثمار هذا الانفتاح في بناء قدراتها الصناعية والبحثية، وتعزيز أمنها الغذائي والطاقة النظيفة. وفي هذا السياق، تبدو الرؤية الصينية مصدر إلهام لشراكة طويلة الأمد تقوم على الاحترام والعمل المشترك. وتحمل قمة نيودلهي فرصة ثمينة لدفع هذا المسار إلى الأمام، وترسيخ قناعة بأن التعاون المنظم قادر على توسيع الازدهار، وأن مستقبل الشعوب يستحق قيادة تتحلى بالطموح والحكمة والثقة بقدرة الإنسان على البناء.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية