الأردن... باحثون عن "اللايك" يرهقون الفضاء العام
قال الكاتب الدكتور محمد الذنيبات إن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في صناعة ما وصفه بـ"اقتصاد جديد للانتباه"، أعاد، بصورة تدريجية، تشكيل قواعد الحضور والتأثير في الفضاء العام، بحيث بات الهادئ أقل قابلية للرؤية، فيما يواجه المحتوى المعقد صعوبة أكبر في التداول، ولا سيما أمام مشهد رقمي يقوم على السرعة والاختزال والاستجابة الفورية.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الأعمال والمشروعات التي تحتاج سنوات من التراكم لا تجد القدرة ذاتها على المنافسة داخل هذا الفضاء مع محتوى قصير قد لا يتجاوز ثلاثين ثانية، لافتًا إلى أن الإنسان وجد نفسه، من دون قرار معلن، أمام قواعد جديدة للسوق الرقمي تقوم على الاختصار والمبالغة والمفاجأة والتأثير السريع، فضلًا عن تقديم مادة قابلة للإعجاب أو الغضب والتفاعل في وقت وجيز.
وبيّن الذنيبات أن المشكلة لا تكمن في هذه القواعد عندما تبقى محصورة في شاشة الهاتف، وإنما تبدأ، على حد تعبيره، عندما تنتقل من المجال الرقمي إلى المجال العام، فتتحول معايير جذب الانتباه إلى مؤثرات تحكم سلوك المسؤول والسياسي والمثقف وأصحاب المكانة والنخب.
ولفت الذنيبات إلى أن المسؤول، الذي يفترض أن يقيس قراره بأثره ونتائجه، قد يجد نفسه منشغلًا بأثر صورته لدى الجمهور، فيما قد يميل السياسي، الذي يفترض أن يتحمل كلفة المواقف الصعبة، إلى تبني العبارة التي تجلب التصفيق، حتى وإن لم تكن بالضرورة الأكثر عمقًا أو نجاعة.
وأضاف أن المثقف، الذي كانت قيمته تكمن في قدرته على مساءلة المسلمات وإزعاج اليقينيات الراسخة، قد يصبح أكثر ميلًا إلى قول ما يعرف مسبقًا أنه سيُستقبل بالإطراء، بدلًا من الذهاب إلى المواقف التي تفرض عليه مواجهة الأسئلة الصعبة أو مخالفة المزاج السائد.
وذكر الذنيبات أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على مستخدمي منصات التواصل، إذ امتدت، من حيث لا ينتبه بعض أصحاب المكانة والنخب، إلى طريقة تعاطيهم مع الشأن العام، فأصبحوا يتصرفون، بحسب وصفه، بعقلية الباحث عن "اللايك"؛ عبر اختيار موقف محبوب، وصياغة عبارة مأمونة، وتقديم صورة محسوبة، والانحياز إلى ما يضمن تصفيق الجمهور في اللحظة نفسها.
وحذّر الذنيبات من أن تكمن الخطورة الحقيقية في تحوّل التفاعل الجماهيري إلى معيار للحكم على المواقف، بدلًا من الاحتكام إلى قيمتها وأثرها وعمقها، مشيرًا إلى أن الموقف الأكثر انتشارًا ليس بالضرورة هو الموقف الأكثر صوابًا، كما أن العبارة التي تحصد أكبر قدر من الإعجاب قد لا تكون الأكثر قدرة على معالجة المشكلة التي تتناولها.
ولفت إلى أن انتقال منطق السوشيال ميديا إلى المجال العام قد يدفع نحو إعادة تعريف النجاح السياسي، والثقافي، والاجتماعي وفق مؤشرات سريعة، من قبيل حجم التفاعل والانتشار، بدلًا من معايير أكثر رسوخًا ترتبط بالكفاءة، والاستقلالية، والقدرة على تحمل المسؤولية والتمسك بالمواقف التي قد لا تحظى بالتصفيق الآني.
وأشار الذنيبات إلى أن المجال العام بطبيعته يحتاج إلى الصبر والتفكير المركب واحتمال الاختلاف، في حين تعمل منصات التواصل وفق إيقاع مغاير يقوم على السرعة والانفعال والمفاجأة، الأمر الذي قد يجعل الأفكار العميقة والأعمال الممتدة زمنيًا أقل قدرة على المنافسة أمام المحتوى السريع والقابل للاستهلاك الفوري.
ورأى أن الإشكالية الأعمق تتمثل في احتمال أن يصبح الفرد، سواء كان مسؤولًا أو سياسيًا أو مثقفًا أو من أصحاب التأثير، أسيرًا لحسابات الجمهور اللحظية، فيعيد ضبط مواقفه وفق ما يضمن القبول، لا وفق ما يراه صحيحًا أو ضروريًا.
وفي هذا السياق، دعا الذنيبات إلى التمييز بين ما يجذب الانتباه وما يستحق الثقة، وبين الموقف الذي يحقق انتشارًا واسعًا في لحظته والموقف الذي يمتلك القدرة على ترك أثر مستدام، مستطردًا أن قيمة الفكرة لا ينبغي أن تُقاس بعدد الإعجابات التي حصدتها، وإنما بقدرتها على الصمود أمام الاختبار والنقاش والوقت.







