اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

النقرش يكتب :(حين تفقد الثقافة رسالتها قراءة في مهرجان جرش)

{title}
أخبار الأردن -

 

د. إبراهيم النقرش

ليس كل ما يُسمى ثقافة هو ثقافة، فالثقافة التي صنعت الحضارات لم تكن يوماً رقصاً وغناءً وأضواءً صاخبة، وإنما كانت بناءً للإنسان، وتهذيباً للأخلاق، وصناعةً للوعي، وترسيخاً للقيم. وما من أمة ارتقت إلا وكان ميزان أخلاقها أرجح من ميزان شهواتها، وما من حضارة سقطت إلا عندما غلب اللهو على الرسالة، والمظاهر على الجوهر.
ولعل ابن خلدون كان من أصدق من وصف هذه السنن حين ربط بين الترف والانحدار، فالأمم – كما يرى – تبدأ قوية بعصبيتها وقيمها، ثم إذا استغرقت في الترف واللهو أخذت عوامل الضعف تتسلل إليها حتى تنهار من الداخل قبل أن يهزمها أحد من الخارج.
ومن هنا فإن الاعتراض على مهرجان جرش ليس اعتراضاً على الفن، ولا على الفرح، ولا على الغناء في ذاته، وإنما على اختزال الثقافة في مشاهد الاستعراض، حتى كادت الأخلاق تغيب، وغاب معها الأدب والفكر والشعر والكتاب والمسرح الهادف، وهي التي من أجلها أُنشئت المهرجانات الثقافية أصلاً.
لقد تابع الأردنيون هذا العام مشاهد أثارت كثيراً من الاستغراب؛ أزياء وعروض لا تنسجم مع قيم المجتمع المحافظ، واستعراضات طغت على رسالة المهرجان، حتى أصبح الحديث عن المظهر أكثر من الحديث عن الثقافة، وعن الإثارة أكثر من الحديث عن الإبداع. وعندما تصبح الجرأة في الملبس هي الحدث، لا الفكر ولا الفن الرفيع، فإن من حق الناس أن يتساءلوا: أين الثقافة التي وعدتم بها؟
ومن جانب آخر، بدا الفنان الأردني والمثقف الأردني أقل حضوراً مما يستحق، وكأن المبدع الأردني أصبح ضيفاً في مهرجان يحمل اسم وطنه، مع أن الأردن زاخر بالشعراء والمسرحيين والباحثين والمبدعين الذين يستطيعون تقديم صورة حضارية تليق بتاريخ جرش، المدينة التي كانت يوماً منارة للفكر والحضارة، لا مجرد مسرح للترفيه.
ثم تأتي المفارقة الأكبر... فالدولة التي تطالب مواطنيها بالصبر على أعباء المعيشة، وتواجه تحديات الديون والعجز والبطالة والفقر، هي نفسها التي تُنفق مبالغ كبيرة على فعاليات كان بالإمكان أن تكون أكثر اتزاناً وأقل كلفة وأكثر التصاقاً بهوية المجتمع. وليس المقصود حرمان الناس من الفرح، وإنما ترشيد الأولويات، فالأوطان التي تُثقلها الديون لا تملك رفاهية الإسراف، خصوصاً عندما يشعر المواطن أن معاناته اليومية لا تجد القدر نفسه من الاهتمام.
إن الأردن ليس دولة عابرة بلا هوية، بل هو بلد الحشد والرباط، وبلد الرسالة، وقيادته هاشمية تستمد إرثها من آل بيت النبوة، وتحمل راية الاعتدال والوسطية. ومن هنا فإن أي نشاط يحمل اسم الأردن ينبغي أن يعكس هذه الهوية، وأن يقدم للعالم صورة شعب عرف عبر تاريخه بالحياء، والشهامة، والكرم، والاعتدال، لا أن يثير الجدل بسبب ما يصادم الذوق العام.
إن الثقافة ليست جسداً يُعرض، بل عقلاً يُبنى، وليست موسيقى تصدح لساعات، بل قيماً تبقى لأجيال. وإذا انفصلت الثقافة عن الأخلاق، فقدت رسالتها، وتحولت إلى سلعة للاستهلاك، لا مشروعاً لصناعة الإنسان.
لسنا دعاة إغلاق للمسارح، ولا أعداء للفن، وإنما نريد فناً يسمو بالإنسان، وثقافة تحترم هوية المجتمع، ومهرجاناً يفاخر به الأردنيون أمام العالم، لا مهرجاناً يثير في كل عام السؤال ذاته: هل هذا هو الأردن الذي نريده؟
إن الشعوب لا تحفظ تاريخها بما غنّى المغنون، بل بما خلّفه العلماء، وما كتبه المفكرون، وما بناه المصلحون، وما غرسته الأخلاق في النفوس. فالحضارات لا تقوم على الأضواء، وإنما تقوم على القيم.
ولذلك نقول للقائمين على مهرجان جرش: إن الأردن أكبر من أن يُختزل في حفلة، وأعمق من أن تُعرَّف ثقافته بمشهد عابر. أعيدوا للمهرجان رسالته، وللثقافة هيبتها، وللأردنيين حقهم في أن يروا وطنهم ممثلاً بما يليق بتاريخه ومكانته.
فما هكذا تُورد الإبل

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية