أبو طير يكتب: ماذا جرى فجر الأحد في الأقصى؟
ماهر أبو طير
يشهد المسجد الأقصى أسوأ أوقاته هذه الأيام، وقد سبق ذلك إغلاق المسجد لمدة تزيد على أربعين يوما خلال تبادل الصواريخ بين إيران وإسرائيل، وذلك خلال رمضان وما تلاه.
ويقتحم رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رفقة عدد من وزراء حكومته وآلاف المستوطنين، فجر الأحد الماضي، ساحة حائط البراق في البلدة القديمة بالقدس المحتلة، بحماية أمنية مشددة، عشية ما يسمى "عيد الغفران" اليهودي، وقد بات اقتحام المسؤولين الرسميين أمرا معتادا، وكل يومين نشهد دخول وزراء إلى داخل الحرم القدسي.
حتى مخطط التقاسم الزمني بات واقعا، والإسرائيليون يقتحمون الأقصى في الأيام العادية، مرتين يوميا، وكل مرة يتم منع المسلمين من الصلاة أو الدخول إلى الحرم القدسي.
عمليات التطويع للعرب والمسلمين ترتفع درجتها يوما بعد يوم، وسنصل إلى مرحلة يتم فيها نسخ سيناريو الحرم الإبراهيمي في الخليل، أي تقاسم أيام الأسبوع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بدلا من عدة ساعات يوميا، وهذا مخطط مقبل على الطريق، وقد اختبرت إسرائيل سابقا إغلاق المسجد لأربعين يوما، فلم يحدث شيء، وجربت دخول الوزراء والنواب، فلم يوقفهم أحد، فلماذا سيمتنعون عن تقاسم الأيام بدلا من الساعات في الأقصى؟
هذه الخطوة ستليها خطوة أخرى، أي مصادرة الأرض الفارغة داخل الحرم القدسي، والكل يعرف أن مساحته 144 دونما فيها المسجد القبلي، ومسجد قبة الصخرة ومبان وآثار ومنشآت قديمة وجديدة، وإذا تمت هذه الخطوة نكون قد دخلنا حدود الخطوة الأخطر، أي تصغير مساحة المسجد الأقصى، وفقا للمخطط الإسرائيلي، وإقامة منشآت إسرائيلية في المساحات الفارغة، وقد تتغطى إسرائيل هنا بقرار حكومي، أو من الكنيست، لتتم هذه الخطوة قبل نهاية عام 2027، وهو موعد حددته إسرائيل حدا أعلى لتغيير هوية الحرم القدسي الشريف.
الخطوتان السابقتان، أي تقاسم الأسبوع على شكل أيام، والسطو على المساحات الفارغة، ما هما إلا مقدمة لتغيير الإدارة والسيادة على الحرم القدسي، بشكل عام، ونقلها إلى إسرائيل بشكل كلي من خلال تغطية سياسية وقانونية تنقل السيادة إلى إسرائيل، بما يعني ربط كل أعمال الصيانة والترميم والإدارة والبناء والهدم وغير ذلك بالحكومة الإسرائيلية، وهذه أخطر مرحلة ستؤدي إلى إحداث تغييرات بنيوية داخل الحرم القدسي، إذا ما تمكنت إسرائيل من ذلك نهاية المطاف.
هذا لا يلغي احتمالات خلط الأوراق من خلال هدم مسجد قبة الصخرة تحديدا، أو حتى المسجد القبلي، ونسب العملية إلى تنظيم إسرائيلي متطرف ينفذ العملية في ساعات الليل، أو إلى صاروخ عابر يتم اتهام أي طرف عربي أو إسلامي به، وبكونه كان خارج سيطرة إسرائيل وإن كان موجها لإسرائيل لكنه أخطأ طريقه، والإشارة إلى أي طرف لتحميله مسؤولية أمر لم يفعله في الأساس، أو تلغيم الأنفاق تحت المسجد الأقصى لتفجيره.
هذه ليست محاولة لإبراء الذمة فقط بشأن المسجد الأقصى، لكننا نسلط الضوء مجددا على ما حدث فجر الأحد في المسجد الأقصى من تحشيد غير مسبوق، وهي ليست عمليات تحشيد دون رسالة دينية-سياسية للداخل الإسرائيلي لترصيد أصوات اليمين الإسرائيلي في الانتخابات، بل تعطي مؤشرا على تصاعد عمليات الاستهداف، في ظل مخطط متدرج.
علينا فتح عيوننا مسبقا، لأن إسرائيل تنتظر التوقيت الأنسب في فلسطين، والإقليم، وتنتظر لحظة الهشاشة الأكثر خطورة للمضي في مخططها لإزالة وهدم أهم رمز ديني إسلامي في القدس، بما يعنيه ذلك من مستهدفات سياسية، ودينية، واجتماعية، وأمنية أيضا.
ما جرى فجر الأحد في الأقصى، لم يكن مجرد طقس ديني، كان إعلانا عن مرحلة جديدة.







