خطاطبة يكتب: حافلات المدارس.. عندما يتحول الوقت إلى خطر
محمود خطاطبة
مع بزوغ فجر كل يوم، تنتشر الحافلات المدرسية الصفراء في شوارعنا وأحيائنا؛ منها ما يتبع المدارس الخاصة، ومنها المرخص للنقل، ومنها حافلات النقل المشترك المعروفة شعبيا بـ»الإتش 100»، وتلك لها حكاية أخرى.
حافلة تنطلق من هنا، وتنعطف أخرى من هناك، فيما تتحرك المئات في وقت متقارب، يدرك كل سائق أن أمامه منازل عدة، وطلابا ينتظرون، ومدرسة تتوقع وصولهم في موعد محدد، وإلا (...).
تكرر هذا المشهد كثيرا حتى أصبح عاديا، لكن ما لم يعد عاديا هو أن تتحول رحلة الطالب إلى سباق مع الوقت داخل رحلة واحدة، وعندما تصبح الدقائق أهم من الطريق، يبدأ الخطر.
فالسائق لديه وقت محدد للوصول، والمدرسة لديها موعد لبدء الدوام، وأولياء الأمور لديهم أعمالهم والتزاماتهم، وفي المقابل هناك شوارع لا يمكن أن تضمن شيئا؛ تئن أساسا بالمركبات ليل نهار، وتواجه عوائق كثيرة، فضلا عن محال تجارية ورخص مهن تم منحها على عجل لمحال تجارية في مواقع خطرة وعلى حدود شوارع رئيسة وفرعية، ما يزيد من صعوبة الحركة؛ وعندها لا تعود المشكلة مرتبطة بسائق بعينه؛ نحن أمام نظام كامل يعمل تحت ضغط الوقت.
سلامة أبنائنا ومستخدمي الطريق لا ينبغي أن يكون جزءا من سباق بين الحافلة والساعة والموعد الذي تضعه المدرسة؛ لا يمكن أن يصبح هذا الضغط سببا يجعل الطريق نفسه أكثر خطورة. وإذا كان النظام لا يترك أي هامش للتأخير الطبيعي، فإنه يدفع الجميع، من دون أن يقول ذلك صراحة، إلى محاولة اختصار الطريق والوقت بأي وسيلة ممكنة.
فالطفل ليس مسؤولا عن ازدحام طرقاتنا، ولا ينبغي أن يدفع ثمنه؛ والسائق ليس قادرا على إلغاء الازدحام، ولا ينبغي أن يتحول موعد المدرسة إلى ضغط يجعله يتعامل مع الطريق كعقبة يجب تجاوزها بأي شكل.
حتى الأهالي الذين قد يطلبون من أبنائهم الاستعداد مبكرا، يجدون أنفسهم أحيانا أمام حافلة تصل قبل موعدها أو تتغير أوقات وصولها، فيصبح الصباح كله قائما على محاولة اللحاق بالجدول. الأمر الذي يعني أننا لا نتعامل فقط مع مشكلة سلوك على الطريق، وإنما مع خلل يحتاج إلى مراجعة في طريقة إدارة النقل المدرسي نفسها.
هنا يأتي اقتراح بسيط يمكن أن يغير جزءا كبيرا من المعادلة: أن تكون حافلات نقل الطلبة مزودة بمحدد سرعة إلكتروني، أو «عتلة» في أسفل دواسة الوقود، يمنعها من تجاوز سرعة معينة، ولتكن مثلا 60 كيلومترا في الساعة، أو أي حد تراه الجهات المختصة مناسبا بحسب نوع الحافلة وطبيعة الطرق التي تسير عليها.
عندما تكون السرعة محددة من الناحية الفنية، يصبح هناك شيء لا يستطيع ضغط الوقت أن يتجاوزه. تأخرت الحافلة؟ ستتأخر ولا يمكن تعويض الوقت بالسرعة.. وهذا وحده يفرض على المدرسة وشركة النقل أن تنظرا بطريقة مختلفة إلى الجدول والمسار وعدد نقاط التوقف ووقت الانطلاق.
لكن محدد السرعة، مهما كانت أهميته، ليس حلا منفردا للمشكلة، ولا ينبغي أن نتعامل معه كذلك. فسلامة الطلبة تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من وضع جداول زمنية واقعية، واختيار مسارات أكثر أمانا، وتنظيم نقاط توقف الحافلات، ومراجعة عدد الطلاب في كل رحلة، والتنسيق بين مواعيد انطلاق الحافلات وبدء الدوام المدرسي، إلى جانب الرقابة على السرعة وسلوك السائقين.
فكل واحدة من هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة عندما ننظر إليها منفردة، لكنها تصبح شديدة الأهمية عندما تجتمع في حافلة تحمل عشرات الأطفال.. وفي النهاية، يجب ألا يكون السؤال: كيف نجعل الحافلة تصل في الموعد بأي ثمن؟ بل: كيف نجعل الطالب يصل إلى مدرسته بأمان، حتى لو احتاجت الرحلة إلى بضع دقائق إضافية؟ إذ إن دقيقة تأخير يمكن تعويضها، أما سلامة طفل فلا ينبغي أن تكون موضع مخاطرة.







