كيف يحافظ الأردن على المنعة الوطنية؟... الحوارات يجيب
قال المحلل السياسي الدكتور منذر الحوارات إن مفهوم المنعة الوطنية يتجاوز التصورات التقليدية التي تختزلها في القوة العسكرية أو الإجراءات الأمنية، موضحًا أنها تمثل القدرة الشاملة للدولة على صون سيادتها، وحماية مصالحها العليا، وامتصاص الأزمات الداخلية والخارجية، مع المحافظة على استمرارية مؤسساتها في أداء وظائفها الدستورية، ومنع الضغوط والتحولات الإقليمية والدولية من التحول إلى عوامل تفكك أو اضطراب داخلي.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن المنعة الوطنية تُبنى على منظومة مترابطة تتكامل فيها المؤسسات، والاقتصاد، والأمن، والهوية الوطنية، والسياسة الخارجية، والعدالة، والتعليم، مستطردًا أن الأردن، بحكم موقعه الجيوسياسي وما يحيط به من أزمات متلاحقة، جعل من بناء الدولة المؤسسية الركيزة الأساسية لاستدامة استقراره.
وبيّن الحوارات أن دولة القانون والمؤسسات تمثل قاعدة الارتكاز الأكثر صلابة في التجربة الأردنية، باعتبارها الضامن لاستمرارية الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات، لافتًا إلى أن قوة المؤسسات هي التي تمنح الدولة القدرة على التكيف مع المتغيرات دون أن تفقد توازنها أو تدخل في دوامات الانهيار.
وأوضح أن الهوية الوطنية الأردنية أثبتت، في مختلف المحطات المفصلية، أنها عنصر تماسك استراتيجي، إذ يظهر الانتماء الوطني بصورة تلقائية كلما واجهت الدولة تحديات تمس أمنها أو استقرارها، وهو ما يعكس رسوخ الوعي الوطني رغم محاولات التشكيك به أو التقليل من أهميته.
ولفت الحوارات إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه المنعة الوطنية يتمثل في البعد الاقتصادي، إذ إن استمرار الاعتماد على المساعدات الخارجية يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتأثر بالتحولات السياسية والإقليمية، الأمر الذي يستدعي إعادة صياغة النموذج الاقتصادي باتجاه اقتصاد إنتاجي قادر على تقليص التبعية وتعزيز الاعتماد على الموارد الوطنية ورأس المال البشري.
ونوّه إلى أن الأردن يمتلك مقومات تؤهله لهذا التحول، في مقدمتها الكفاءات العلمية، والقاعدة الشبابية الواسعة، والقدرات التكنولوجية المتقدمة، ما يتيح إعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر إنتاجية واستدامة، بعيدًا عن الارتهان للظروف الخارجية.
وذكر الحوارات أن مفهوم الأمن الشامل أصبح يشمل أمن المياه والطاقة والغذاء والفضاء السيبراني، وهي ملفات تتطلب رؤية وطنية طويلة الأمد تقوم على تعزيز الاعتماد الذاتي وتقليل الهشاشة أمام الأزمات العالمية.
وفي السياق ذاته، قال إن السياسة الخارجية الأردنية شكّلت أحد أهم عناصر المنعة الوطنية، بفضل نهجها المتوازن الذي حافظ على استقلال القرار الوطني، ورفض تحويل المملكة إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مع التركيز على حماية المصالح الأردنية بعيدًا عن الاصطفافات والمحاور المتصارعة.
وأضاف أن أولويات السياسة الأردنية ظلت واضحة وثابتة، وفي مقدمتها حماية الدولة وحدودها، ورفض مشاريع التهجير، ودعم إقامة الدولة الفلسطينية، وضمان أمن المياه والطاقة والغذاء، إلى جانب تنويع الشراكات والتحالفات بما يخدم المصلحة الوطنية الأردنية أولًا.
وشدد الحوارات على أن النهضة الاقتصادية والتنموية لا يجوز أن تبقى رهينة انتهاء الأزمات الإقليمية، مضيفًا أن انتظار استقرار المنطقة يعني عمليًا إهدار فرص تاريخية للتقدم، لأن الأزمات في الشرق الأوسط أصبحت سمة ممتدة وليست أحداثًا عابرة.
وذكر أن الأردن قادر على تحويل حالة الاستقرار التي يتمتع بها إلى ميزة تنافسية تجذب الاستثمار وتعزز الإنتاج، شريطة تطوير الإدارة العامة، وإصلاح التعليم، وتمكين القطاع الخاص، والاستثمار في الصناعات الدوائية والغذائية والتكنولوجية، فضلًا عن توظيف موقع المملكة لتكون مركزًا لوجستيًا وخدميًا يخدم مشاريع إعادة إعمار المنطقة.
وخلص الحوارات إلى أن المنعة الوطنية لا تتحقق بالأدوات الأمنية وحدها، إذ تقوم على معادلة متكاملة يكون فيها الأمن حاميًا للدولة، والاقتصاد ضامنًا لاستقلال القرار، والعدالة ركيزةً للتماسك المجتمعي، والتعليم مصنعًا لقدرات المستقبل، معتبرًا أن النهضة في جوهرها تمثل أحد أهم مقومات المنعة الوطنية وأدوات ترسيخها.







