الرداد يحذر من "خطيئة كبرى" قد يقدم عليها الحرس الثوري
حذّر الخبير الأمني والاستراتيجي الدكتور عمر الرداد من أن التصعيد الحوثي الأخير تجاه المملكة العربية السعودية يعكس تحولًا لافتًا في طبيعة العلاقة بين الطرفين، وفي البيئة الإقليمية المحيطة بالأزمة اليمنية عمومًا، موضحًا أن جماعة الحوثي عادت، بعد فترة من التهدئة النسبية أعقبت استئناف العلاقات السعودية الإيرانية، إلى تصعيد خطابها السياسي والإعلامي، مصحوبًا بتهديدات صريحة باستهداف منشآت حيوية داخل المملكة، في محاولة لإعادة توظيف أدوات القوة العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية على طاولة المفاوضات.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن هذا التصعيد جاء في سياق الرد الحوثي على تعثر المباحثات المتعلقة بالملفات الاقتصادية والإنسانية، وفي مقدمتها صرف رواتب الموظفين وتشغيل المطارات والموانئ، معتبرًا أن الجماعة توصلت إلى قناعة بأن مسار التفاوض بلغ طريقًا مسدودًا، وهو ما دفعها إلى اعتماد سياسة الضغط التصاعدي لإجبار الرياض على تقديم تنازلات أكبر، انطلاقًا من تقدير حوثي بأن السعودية باتت أكثر حرصًا على تثبيت الهدوء وإنهاء الحرب في اليمن، بما ينسجم مع أولوياتها الاقتصادية ومشروعاتها التنموية الكبرى.
وبيّن الرداد أن التصعيد الجديد ارتبط ظاهريًا بوصول طائرة إيرانية مباشرة إلى مطار صنعاء، معتبرًا أن هذه الخطوة مثّلت رسالة حوثية باحتفاظ الجماعة بقدرة على إدارة المنافذ الجوية وكسر الحصار المفروض عليها، في حين نظرت إليها الرياض باعتبارها تطورًا يهدد التفاهمات القائمة، ويفتح المجال أمام تعزيز النفوذ الإيراني داخل اليمن عبر قنوات أكثر مباشرة، مستطردًا أن قضية المطار تحوّلت بذلك إلى عنوان لصراع إرادات بين الرياض وطهران، أكثر من كونها مسألة فنية متعلقة بحركة الطيران المدني.
ولفت إلى أن إفشال هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء شكّل بالتوازي غطاءً للحوثيين لمعالجة أزمات داخلية متفاقمة، موضحًا أن الجماعة تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة وتراجعًا في قدرتها على توفير الخدمات العامة ودفع الرواتب، وهو ما يفسّر إعلانها النفير العام، وتكثيف خطابها المرتبط بـ"طرد الاحتلال" و"الدفاع عن السيادة"، إلى جانب إطلاق صواريخ استهدفت مطار أبها السعودي القريب من الحدود اليمنية، في محاولة لإعادة إنتاج حالة التعبئة الشعبية وتحويل الأنظار عن التحديات الاقتصادية والمعيشية.
ونوّه الرداد إلى أن هذا التصعيد ليس معزولًا عن الدور الإيراني، ذلك أن طهران تنظر إلى اليمن باعتباره إحدى أهم ساحات نفوذها الإقليمي التي تمنحها قدرة على ممارسة الضغط الاستراتيجي على السعودية والتأثير في أمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية، لافتًا إلى أن أداء الحوثيين في الاندماج بالحرب إلى جانب إيران لم يكن بالمستوى المتوقع، سواء على صعيد إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، أو على صعيد إغلاق مضيق باب المندب على غرار ما حصل في هرمز، مشيرًا إلى أن الحرس الثوري الإيراني توقف عن استهداف السعودية بشكل مباشر مقارنة بدول الخليج الأخرى، وهو ما يرجّح - بحسب تقديره - أن ما يقوم به الحوثيون اليوم هو عودة إلى نمط حروب الوكالة التي تمارسها إيران في المنطقة.
وذكر أن دعم إيران للحوثيين يمثل إحدى محطات التباين داخل القيادة الإيرانية نفسها، كما أن هناك تيارًا يحاول الحفاظ على توازن بين استمرار دعم الحلفاء الإقليميين وتجنب انهيار مسار التهدئة مع السعودية، في مقابل خطاب أكثر احتفاءً تبنته وسائل إعلام وشخصيات محسوبة على التيار المحافظ، وصفت ما يجري بأنه نجاح لمحور المقاومة في كسر القيود المفروضة على صنعاء، مضيفًا أن العلاقة بين الحوثيين وإيران تطورت خلال السنوات الأخيرة من مجرد دعم سياسي وإعلامي إلى شراكة أمنية وعسكرية متكاملة، تشمل نقل الخبرات التقنية وتطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وتبادل الخبرات في مجالات القيادة والسيطرة.
وأوضح الرداد أن تصعيد التهديد الحوثي يفرض على السعودية تحديات أمنية واستراتيجية متعددة، إلى جانب احتمال استئناف الهجمات على منشآت النفط والطاقة والبنية التحتية، مستطردًا أن الرياض تواجه معضلة الموازنة بين الحفاظ على سياسة الانفتاح الإقليمي التي تبنتها في السنوات الأخيرة، وعدم السماح في الوقت ذاته بترسيخ وقائع جديدة تمنح الحوثيين شرعية سياسية أو عسكرية إضافية، لافتًا إلى أن أي تصعيد واسع قد ينعكس سلبًا على البيئة الاستثمارية التي تسعى المملكة لتعزيزها ضمن رؤيتها الاقتصادية.
وأضاف الرداد أن التصعيد يفاقم في الداخل اليمني حالة الانسداد السياسي، ويؤخر فرص التوصل إلى تسوية شاملة، ويزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية، حيث باتت القضايا الإنسانية جزءًا من أدوات الضغط المتبادلة بين الأطراف، بدلًا من أن تكون مدخلًا لبناء الثقة بينها.
وذكر الرداد أن جامعة الحوثي تراهن على إعادة صياغة موازين التفاوض مع السعودية أكثر من رغبتها الفعلية في العودة إلى حرب شاملة، موضحًا أن الجماعة تستخدم التهديد العسكري لتعزيز موقعها السياسي رغم الشكوك القائمة حول تراجع قوتها الفعلية، بينما تسعى إيران للحفاظ على ورقة ضغط فعالة في اليمن دون التضحية بمكاسبها الدبلوماسية مع السعودية، في مقابل محاولة الرياض تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين حماية أمنها القومي ومنع تعاظم النفوذ الإيراني والحفاظ على مسار التهدئة.
وحذّر في ختام تصريحاته من احتمال إقدام الحوثيين على ما وصفه بـ"خطيئة كبرى"، بتوجيه من التيار الأصولي المتشدد داخل الحرس الثوري الإيراني، الذي يخوض حروبه، بحسب تعبيره، بتكتيكات انتحارية، مستطردًا أن مستقبل هذا التصعيد سيبقى رهنًا بمدى قدرة الأطراف المعنية على إدارة التوازن الدقيق بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي.







