أبو طير يكتب: التهجير بين التحذير والتخوين

{title}
أخبار الأردن -

 

ماهر أبو طير


يشعر البعض بالاستفزاز من كثرة التحذير من سيناريو التهجير من داخل فلسطين إلى خارجها وهذا تحذير متواصل منذ 3 سنوات.
يتصل البعض بك لينتقد التحذير معتبرا أن الفلسطينيين لن يغادروا بهذه البساطة ويغضب بعض آخر ويقول لك إن الفلسطينيين ليسوا مجاميع بشرية ليتم رميهم في ليلة عبر جسر الأردن أو إلى سيناء مطالبا بعدم الاستخفاف بدلا من إثارة الخوف والتحذير منهم.
 

من حيث المبدأ لا أحد ينتقص الفلسطينيين ولا إصرارهم على البقاء في فلسطين ولا أحد يخونهم أو يشكك بهم، ويكفي أن نشير إلى أن نسبة المغادرين من الضفة الغربية إلى الأردن هي ذات نسبة العائدين مثلما أن الوعي السياسي والاجتماعي يأبى التجاوب مع المخططات والمؤامرات وكلنا يدرك أن الفلسطينيين تعلموا من تجارب النزوح واللجوء وهذا يعني أن الثقة بهم مرتفعة جدا ولا أحد يزاود على وطنيتهم وتضحياتهم وما قدموه طوال عقود.
لكن علينا أن نؤشر على 3 أمور أولها أن إسرائيل صنعت ظروفا خلال حرب 1948 وحرب 1967 أدت أصلا إلى النزوح واللجوء وهذا يعني أن الوعي الجمعي الذي يأبى التهجير واجه سابقا تجارب من التهجير الاضطراري وليس الاختياري أصلا.
ثانيها أن كل الشعوب تحت ضغط عمليات القتل وهدم البيوت والتعرض للنساء والأطفال تضطر أن تغادر ولو مؤقتا ورأينا هذا في الأشقاء العراقيين واليمنيين والسوريين وشعوب ثانية مثل أوكرانيا والصومال والأمثلة على الاضطرار كثيرة هنا.
ثالثها أن إسرائيل لديها أكبر أزمة تتهرب منها بالدخول في حروب مع كل جوارها وهي أزمة الوجود الفلسطيني ولا يمكن لها أن تتخلى عن هدف محدد أي محاولة إخراج 7 ملايين فلسطيني من قطاع غزة أو الضفة الغربية أو حتى فلسطين المحتلة عام 1948 من خلال صناعة ظروف الحرب الطاردة لإجبار الناس على الخروج تحت وطأة القتل والتجويع والإبادة والملاحقة.
من جهة ثانية علينا أن نستذكر هنا نماذج التهجير الحديثة إذ تحت وطأة التهديد والدبابات والقتل هجرت إسرائيل إجباريا عشرات آلاف الفلسطينيين من مخيمات شمال الضفة الغربية خاصة جنين طولكرم ونور شمس خلال العامين الأخيرين وتسببت بنزوح الغزيين داخل قطاع غزة، وسهلت بالتعاون مع منظمات مشبوهة خروج عائلات وكفاءات ليست قليلة إلى خارج القطاع.
وتحت وطأة القتل والهدم والموت هجرت إسرائيل أكثر من 1.6 مليون لبناني نزحوا خلال مدة قصيرة أي ما يقرب من خمس سكان لبنان من بينهم نحو 370 ألف طفل وجدوا أنفسهم خارج منازلهم ومدارسهم وتم تدمير بيوتهم وسرقة مزارعهم وتدمير حياتهم.
كما أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرا عن تهجير السوريين من جنوب سورية خلال العامين الأخيرين بسبب العمليات الإسرائيلية إضافة إلى وجود نازحين سوريين ترفض إسرائيل عودتهم إلى الجولان ومناطقهم الأساسية بعد حرب 67.
الخلاصة هنا تريد أن تقول إن مبدأ تخوين الفلسطيني أو اللبناني أو السوري أو أي شعب آخر ليس واردا ولا أحد يستخف بقوة الناس ولا قدرتهم على مواجهة الاحتلال ومخططاته، لكن الفكرة الأهم ترتبط هنا بتصنيع الظروف الدموية الطاردة التي يتم فرضها على الأبرياء من أجل تنفيذ مبدأ "الإزاحة السكانية" نحو أي موقع بديل تحت وطأة القتل وهدم البيوت وهدير الطائرات والدبابات.
كل هذا يقودنا إلى الاستنتاج الذي يقول إن على كل دول جوار فلسطين التنبه جيدا لمخططات التهجير وعدم التهوين منها لأن الخطر قائم حقا، والقصة ليست قصة تخوين لأحد، ولا مدحا بشجاعة أحد، بل تتعلق بطبيعة الظروف التي تصنعها إسرائيل لإعادة تصدير أزماتها إلى دول الجوار، بما في ذلك التخطيط لنقل جزء من أهل فلسطين 48 إلى جنوب لبنان وجنوب سورية وما نعرفه أيضا عن مخططات متعلقة بسيناء والأردن أيضا.
هذا ملف مقبل على الطريق وبحاجة إلى سيناريو فاعل، والعاطفة لا تكفي لمواجهة مؤامرة تفريغ فلسطين ودفع أهلها إلى جوارهم العربي، وسنرى إطلالة المخطط حقا بعد انجلاء غبار حرب إيران، هذا إذا انجلى الغبار أصلا ولم نذهب لما هو أعقد.
ليس كل ما تريده إسرائيل سيحصل لكن علينا اليقظة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية