الطراونة يكتب: توقيت غير مناسب
مكرم أحمد الطراونة
أحيانا، قد تمتلك الحكومات قرارات صحيحة من حيث المبدأ، ومدروسة الأثر، ويمكن تبريرها من حيث الحاجة المالية أو التنظيمية أو الإصلاحية، لكنها تخسر جزءا كبيرا من مشروعيتها الاجتماعية حين تطرح في غير موعدها.
تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، تهدف لحماية استدامة المؤسسة، وصون مدخرات المشتركين، ومنع أيّ اختلالات مستقبلية تهدد واحدة من أهم مؤسسات الحماية الاجتماعية في الدولة. رفع أسعار المحروقات، حين تكون الحكومة محكومة بمعادلات الطاقة العالمية، وبالأسعار الدولية، وبسياسات مالية تراكمت عبر سنوات طويلة لا تسمح بهوامش واسعة للمناورة. وقانون السير الذي رفع سقف المخالفات، بهدف حماية الأرواح، وتقليل الحوادث، وخفض فاتورة الخسائر البشرية والاقتصادية التي تتحملها الدولة والمجتمع سنويا.
كلها قوانين وإصلاحات ضرورية، والخلاف ليس كبيرا حولها، فشريحة واسعة من المواطنين تدرك أن الدولة لا تستطيع دائما إدارة الملفات الحساسة بمنطق الشعبية أو إرضاء المزاج العام. لكن الإشكالية الحقيقية تبدأ حين تتراكم القرارات الصعبة فوق كتفي مواطن لم يعد يشعر أصلا أن لديه أي قدرة إضافية على التحمل.
المواطن الأردني يعيش ضيقا اقتصاديا، وحالة استنزاف ممتدة منذ سنوات. منذ جائحة كورونا، مرورا بالاضطرابات الإقليمية، والحرب على غزة، والتوترات العسكرية التي ألقت بظلالها على المنطقة، لم يتمكن الاقتصاد المحلي من استعادة توازنه الكامل، ولم يتمكن دخل الفرد من اللحاق بمعدلات التضخم، ولا بارتفاع تكاليف الحياة، ولا بتغير أنماط الإنفاق الأساسية.
خلال هذه السنوات، بقيت الرواتب شبه ثابتة، بينما ارتفعت كلف الغذاء والطاقة والتعليم والنقل والعلاج والإيجارات والخدمات الأساسية. ومع الوقت، لم يعد كثير من الأردنيين يعيشون على دخلهم الحقيقي، بل على قدرتهم على الاقتراض.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن مديونية الأفراد في الأردن وصلت مع نهاية 2025 إلى ما يزيد على 14 مليار دينار، وهو رقم يعكس حجم التحول في نمط الحياة الاقتصادية للأسر، بينما يبلغ عبء اقتطاع المديونية من دخل الأفراد نسبا مرتفعة تتجاوز 40 % لدى شرائح واسعة. أما الديون المتعثرة، فارتفعت بدورها إلى مستويات مقلقة، فضلا عن ديون أخرى غير موثقة بالكامل لدى شركات التمويل الأصغر والجمعيات والأفراد.
المواطن لم يعد ينفق من فائض دخله، لأنه لم يعد هناك فائض أصلا، فجزء كبير من المجتمع يعيش على تدوير الالتزامات، وتأجيل المستحقات، وإعادة جدولة الأقساط، ومحاولات مستمرة للبقاء فوق خط الاختناق المالي.
قرارات الحكومة، التي نقر بصحتها، تصبح، في مثل هذا السياق، عبئا نفسيا قبل أن تكون عبئا ماليا، لأن المواطن لا يقرأ القرار في سياقه الفني أو التشريعي فقط، وإنما من خلال كلفته الحقيقية على جيبه الخاص.
ما نحتاجه اليوم هو "ذكاء التوقيت" في الإدارة العامة، فجميع الحكومات قادرة على اتخاذ القرار وإلزام المواطن به، لكننا نريد حكومات تراعي اختيار اللحظة المناسبة، فهناك فرق كبير بين قرار يفرض على مجتمع يمتلك هامشا اقتصاديا يسمح له بالتكيف، ومجتمع يشعر أصلا أنه يقف عاريا عند الحافة.
ما يحتاجه المواطن الأردني اليوم إشارات حقيقية تمنحه شعورا بأن الدولة ترى أوجاعه كما ترى أرقام موازناتها. يحتاج إلى أن يشعر أن هناك من يدرك حجم التآكل الذي أصاب قدرته الشرائية، والخوف الذي يعيشه تجاه المستقبل، والضغط النفسي الذي يرافقه دائما.
الإصلاح والانضباط وحماية المؤسسات ضرورة كبرى. لكن الضرورة الأخرى التي لا تقل أهمية هي حماية الإنسان نفسه من الانكسار، فالمواطن الذي يشعر أنه يدفع وحده كُلف الأزمات، قد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها قادرا على احتمال المزيد.
لا نطلب من الحكومة أن تتراجع عن الإصلاح، ولكن عليها أن ترتب أولوياته، وأن تعيد النظر في توقيته، وتبحث عن لحظة أقل قسوة وأكثر عدالة، لحفظ التوازن بين ضرورات الدولة وكرامة الناس.







