ملكاوي يكتب: الهوية وتحولات "التمركز"

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


جاء القرن الواحد والعشرون بتحديات جديدة على الأمم والشعوب التي عانت سابقا من «سيولة» في هويتها نتيجة تأثيرات العولمة والسوق المفتوح، لكن الثورة الرقمية أفرزت تحديات خاصة بها في سياقاتها، سواء كان ذلك داخل المجتمع نفسه، أو بين المجتمع الواحد وما يقابله من مجتمعات.
 

أولى الظواهر جاءت من خلال ما يعرف بـ»التمركز الثقافي النخبوي»، التي نظرت فيها النخب إلى الثقافة الشعبية وعامة الناس والتدين البسيط، بوصفها علامات تخلّف أو نقص. الظاهرة ليست جديدة تماما، فهي قائمة منذ زمن بعيد، لكن الثورة الرقمية جعلتها أكثر حضورا في المجال العام، إذ تمركزت النخبة حول لغتها ومفاهيمها، وتعاملت مع الجمهور باستعلاء رمزي حذر منه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في تحليله للتمييز الثقافي، حين بيّن كيف تتحول الذائقة أحيانا إلى أداة للفرز الطبقي والهيمنة. 
التمركز وجد في الفضاء الرقمي بيئة مثالية للتوسع والانتشار، ففي الوقت الذي كان يحتاج في السابق إلى مؤسسة أو جماعة منظمة لتسويق خطابه، أصبح اليوم يعتمد على حسابات منفردة على المنصات الاجتماعية يصنع أصحابها سرديات كاملة عن الذات والآخر.
نستطيع اليوم رؤية تمظهرات هذا الأمر في حملات التخوين، واختزال الأشخاص في جملة أو صورة أو موقف، وفي تحويل الخلاف السياسي أو الفكري إلى محاكمة أخلاقية شاملة، لنكتشف كيف أنه جعل كل جماعة تعيش داخل سرديتها الخاصة، فلا تسمع إلا صداها فقط، بينما تزداد اقتناعا بأن العالم كله يتآمر عليها، أو يجهل حقيقتها ويحسدها ويريد إلغاءها.
وهناك سردية أخرى تتخذها الجماعات من الآخر الخارجي، فتبني وعيها على المظلومية الدائمة، أو الاصطفاء والنقاء، أو على سردية المؤامرة، لتتحول إلى سجن وأداة لمنع التفكير.
في حديثه عن «الهوية السردية»، يفتح الفيلسوف وعالم اللسانيات الفرنسي بول ريكور بابًا مهمًا للفهم من خلال تأكيده أن الهوية حكاية نعيد بناءها باستمرار. لكن هذه الرؤية يمكن أن تكون منفتحة تعترف بالخطأ والتغير والتعدد، ويمكن أن تكون مغلقة تنتقي من الماضي ما يخدم كبرياءها، وتحذف منه ما يحرجها. في السياق العربي، كثيرا ما نروي تاريخنا بوصفه سلسلة أمجاد وانتصارات وانقطاعات مؤلمة سببها الآخر وحده، بينما نتهرب من سؤال الداخل، وعما فعلنا نحن، وكيف شاركنا في هزائمنا، ولماذا تعثرنا في بناء الدولة والمعرفة والتنمية والرفاه، ولماذا نلجأ إلى الماضي كلما أعجزنا الحاضر.
في العالم العربي والإسلامي، يمكن رؤية التمركز في سلوكيات وأفكار كثيرة، خصوصا في اختزال الغرب كله في الانحلال والاستعمار، تماما كما يختزل بعض الغربيين الشرق كله في التخلف والعنف. ونراه في الاعتقاد بأن لغتنا هي وحدها لغة الجمال والمعنى، وفي رؤية جماعتنا الدينية أو السياسية هي وحدها الأمّة، وما عداها طارئ أو عميل، بينما هناك من يحول الخلاف السياسي إلى امتحان للوطنية، ومن يقرأ التاريخ لكي ينتصر به على خصومه؛ ومن يختار من التراث ما يؤكد تفوقه، ويتجاهل ما يكشف أزماته.
تجاوز التمركز يسهم بإنقاذ الهوية من المرض، لأنه ينقلها من هوية قلقة تخاف الاختلاف، إلى هوية واثقة تتحاور معه، ومن هوية تفتش عن عدو كي تشعر بوجودها، إلى هوية تنتج معناها، وتتعلم أساسيات العيش المشترك.
لا يمكن لكل هذا أن يحدث بعيدا عن إصلاحات جوهرية في التعليم والإعلام والخطاب الديني والثقافي. المناهج العربية التي تقدم الذات بمثالية والآخر مشوها، تزرع التمركز مبكرا. وكذلك يفعل لإعلام من خلال صناعة بطولات زائفة ومظلومية دائمة، بينما الخطاب الديني الذي يخاف التعدد يحوله إلى عقيدة اجتماعية، والخطاب الثقافي الذي يحتقر العامة يعمقه كذلك. تفكيك التمركز ينبغي أن يكون مشروعا تربويا وسياسيا وثقافيا طويلا، يبدأ من طريقة تدريس التاريخ، ويمر بطريقة إدارة الاختلاف، وينتهي ببناء دولة ومجتمع يعترفان بأن التعدد ليس خطرا على الوحدة.
أطروحة الناقد العراقي عبد الله إبراهيم تعيد السؤال إلينا، محذرة من أن نتحول إلى ما ننتقده بمقاومتنا المركزية الغربية من خلال إنتاج مركزية عربية مغلقة، أو مواجهة التعصب بتعصب مضاد، والدفاع عن الهوية بتحويلها إلى أداة قمع.
أزمتنا، في جانب كبير منها، تكمن في رغبة كل هوية في أن تكون المركز الوحيد، وعجزنا عن رؤية الآخر إنسانا كاملا ، ورغبتنا الكبيرة في الإقامة بالماضي والبحث فيه عن هويتنا الضائعة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية