خيرالله خيرالله يكتب: أخطاء لبنانية لا مفرّ من دفع ثمنها
خيرالله خيرالله
حبل غليظ يربط بين الأخطاء اللبنانية التي لا مفرّ من دفع ثمنها في عام 2026، وهي الأخطاء التي أدّت في نهاية المطاف إلى عودة الاحتلال الإسرائيلي. ما نشهده حالياً يُعد نتيجة طبيعية لتراكم تلك الأخطاء، التي بدأت في مرحلة ما قبل اتفاق القاهرة في تشرين الثاني – نوفمبر 1969، ذلك الاتفاق المشؤوم بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي كرّس سقوط الدولة اللبنانية في ضوء تخليها عن سيادتها على جزء من أرضها.
من يتخلّى عن جزء من أرضه إنما يتخلّى، عمليا، عن السيادة على الأرض كلّها. لم يوجد سياسي لبناني يتحدّث وقتذاك عن كارثة اسمها اتفاق القاهرة غير العميد ريمون إدّه الذي أدرك خطورة الحدث وأبعاده…
قبل توقيع اتفاق القاهرة، استخف لبنان بما تشهده المنطقة من أحداث، بما في ذلك نسف إسرائيل أسطول طائرات الـ”ميدل إيست” في مطار بيروت في الأيام الأخيرة من العام 1968 ردّا على استخدام مجموعات فلسطينية لمطار العاصمة اللبنانيّة. كانت هذه المجموعات تنطلق من بيروت لخطف طائرات متجهة لإسرائيل، بما في ذلك طائرة كانت في رحلة بين أثينا وتلّ أبيب!
لم يستوعب لبنان ما الذي يعنيه نسف طائرات الـ”ميدل إيست”. بدل فهم معنى الدرس، ذهب إلى توقيع اتفاق القاهرة مع ما يعنيه ذلك من فتح حدود لبنان أمام مجموعات فلسطينية لشن هجمات على إسرائيل.
ذهب لبنان، في ارتكاب الأخطاء إلى أبعد من ذلك. انتخب مجلس النواب سليمان فرنجيّة الجد رئيسا للجمهوريّة في العام 1970. كان سليمان الجدّ شخصا وطنيا، لكنّ ثقافته السياسية كانت محدودة إلى حد كبير، خصوصا على الصعيد الإقليمي. كيف لسليمان فرنجيّة استيعاب معنى أحداث في غاية الخطورة تدور في المنطقة بدءا بوفاة جمال عبدالناصر وحلول انوار السادات مكانه وصولا إلى تولّي حافظ الأسد مقاليد السلطة في سوريا مرورا بطرد الفدائيين الفلسطينيين من الأردن وانتقال هؤلاء إلى لبنان عبر الأراضي السورية.
وقعت كلّ هذه الأحداث التاريخيّة في العام 1970 في غياب سلطة لبنانيّة على تماس مع ما يدور في المنطقة. ذهب سليمان فرنجيّة من محاولة القضاء على الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان في أيّار – مايو 1973 إلى التوجه إلى الأمم المتحدة في 1974 للتحدث باسم العرب عن قضيّة فلسطين. لم يكن هناك من إدراك لبناني لمغزى النتائج المترتبة على حرب تشرين الأول – أكتوبر 1973 والطلاق بين مصر وسوريا نتيجة تلك الحرب. اتجه أنور السادات إلى تسوية مع إسرائيل، فيما اتجه حافظ الأسد إلى السيطرة على لبنان وعلى القرار الفلسطيني، الذي كان في بيروت حيث مقرّ إقامة ياسر عرفات. كان الأسد الأب يعتبر القرار الفلسطيني المستقلّ “بدعة” وكان يعتبر لبنان مجرّد ساحة تعوض عن خسارة سوريا الجولان. كانت السيطرة على لبنان، بالنسبة إلى الرئيس السوري الراحل، أهمّ بكثير من استعادة الجولان.
دخل لبنان الحرب الأهلية في العام 1975، من دون تنبّه مسيحي، إلى وقوعه في الفخّ الذي نصبه له حافظ الأسد. حصل حافظ الأسد في العام 1976 على ضوء أخضر أميركي وإسرائيلي من أجل وضع اليد على لبنان، خصوصا على “قواعد المسلحين الفلسطينيين التابعين لمنظمة التحرير” على حدّ تعبير المسؤولين الأميركيين وقتذاك. كان على رأس هؤلاء هنري كيسنجر وزير الخارجية الذي اعتبر الدخول العسكري إلى لبنان كفيلا بمنع مواجهة إقليمية يمكن ان يتسبب بها الوجود الفلسطيني المسلّح في منطقة يمكن أن تهدّد شمال إسرائيل.
ليس أمام لبنان سوى استعادة هذه الفترة من تاريخه في حال كان يريد المحافظة على نفسه. من الضروري أكثر من أي وقت التعلّم من الفرص الضائعة وقبل ذلك من الأخطاء التي أدت إلى الاستخفاف بما تستطيع أن تفعله إسرائيل التي لا يمكن ان تنسحب من جنوب لبنان من دون ثمن.
ليس مطلوبا في الوقت الحاضر من لبنان دفع ثمن الحربين الأخيرتين (حرب اسناد غزّة وحرب إسناد إيران) اللتين ذهب إليهما “حزب الله” بناء على تعليمات إيرانية فحسب، بل المطلوب أيضا دفع ثمن التراكمات. يزيد عمر الأخطاء المتراكمة على 57 عاما، هي عمر اتفاق القاهرة السيء الذكر وما سبقه ومهّد له من أحداث على أرض لبنان وفي المنطقة المحيطة به.
العبارة المفتاح حاليا هي القدرة على استيعاب التطورات الإقليميّة والدوليّة، وهي قدرة اتقنها حافظ الأسد في السنوات الطويلة لحكمه. اتقنها إلى درجة جعل من دخول لبنان عسكريا خدمة يؤديها للأميركيين والإسرائيليين الذين سمحوا له مجددا بوضع اليد على البلد في 1990. وقتذاك، دخل الجيش السوري إلى قصر بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة بفضل غباء ميشال عون، الذي يعبّر عن غباء قسم لا بأس به من المسيحيين وانتهازيتهم. اعتقد ميشال عون في تشرين الأوّل – أكتوبر 1990 أنّ صدام حسين، الذي غرق في وحول الكويت، سيهب لنجدته وإبقائه في قصر بعبدا!
لم يوجد في لبنان من يحاسب ميشال عون على جريمته. على العكس من ذلك، وجد “حزب الله” أنّه يستحق مكافأة على هذه الجريمة. كانت المكافأة إيصاله إلى موقع رئيس الجمهوريّة اللبنانية في 2016.
سيتوقف الكثير لبنانيا على كيفية إدارة المفاوضات مع إسرائيل. صارت المفاوضات أمرا واقعا. إسرائيل تريد ثمنا. كيف للبنان أن يدفع هذا الثمن وكيف يحصل في المقابل على استعادة أراضيه المحتلة وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، حتّى لو كانت مدمّرة؟
لا يمكن الاكتفاء بارتكاب الأخطاء طوال كلّ هذه السنوات. للأخطاء ثمن لا مفرّ من دفعه. لكنّ الأهمّ من الثمن التعلّم من الأخطاء. هل تعلّم لبنان في 2026 من أخطاء الماضي كي يدرك أنّ بقاءه على قيد الحياة صار أقرب إلى معجزة أكثر من أيّ شيء آخر…







