منصور يكتب: حرية الصحافة في الأردن
نضال منصور
تقدّم الأردن على مؤشر مراسلون بلا حدود خمس درجات ليحتل المرتبة 142 من بين دول العالم التي يرصدها هذا التقرير، الذي يصدر كل عام في اليوم العالمي لحرية الصحافة.
بكل تأكيد، يستحق الأردن مكانة أفضل بكثير في مؤشر الحريات الإعلامية. ففي بلد تكاد تختفي منه الانتهاكات الجسيمة والأكثر خطورة، مثل القتل، والإخفاء القسري، والتعذيب الممنهج، فإن أي تحديات أخرى مهما كانت، يمكن تذليلها والتغلب عليها إذا وضعنا خريطة طريق واضحة، وتوفرت الإرادة السياسية الناجزة والحاسمة، وعلينا أن نتذكر أن جلالة الملك، منذ تسلمه لسلطاته الدستورية، قال عبارته المشهورة: “حرية الصحافة حدودها السماء”، ولهذا ندعو إلى ترجمة هذا الشعار إلى ممارسات على أرض الواقع.
تقرير مراسلون بلا حدود ليس مقدسًا، وقد تكون هناك ملاحظات حول منهجيته، وأسئلة مهمة تحتاج إلى تفسير. والجدل الذي سمعته يقول: هل يُعقل أن دولة تقتل الصحفيين بشكل يومي، مثل الاحتلال الإسرائيلي، تتقدم على الأردن، وعلى دول أخرى لم تسجل انتهاكات جسيمة في تاريخها؟
هذه الانتقادات مفهومة ومبررة عند قطاع واسع في الشارع، وحتى عند بعض الخبراء والباحثين، لكنها يجب ألا تُغرقنا وتُبعدنا عن مشاكلنا، فنبقى نراوح في المكان نفسه ونستنزف جهدنا في تبادل الاتهامات، بل علينا أن نستفيد من قراءة كل التقارير الدولية لندرك كيف ينظر العالم إلى بلادنا، وفي الوقت ذاته أن نقيم حالتنا في كل الميادين المرتبطة بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأن نحدد المشكلات والتحديات، ونضع خريطة طريق للتعامل بجدية لتحقيق الإصلاح والتقدم المنشود. وإلا، فما جدوى منظومة التحديث والإصلاح السياسي، وكذلك الاقتصادي والاجتماعي والإداري، إذا لم نفعل ذلك؟
التحديات في ميدان حرية الإعلام معروفة، ولا تحتاج إلى فتاوى؛ فقد تعبنا طوال السنوات الماضية في التشخيص. فمثلًا، لا يغيب عن صانعي القرار أن البيئة التشريعية تحتاج إلى مراجعة جدية، ومن الضروري والملح أن يتوافق الفاعلون في المشهد الإعلامي على الأولويات الوطنية المطلوبة لتحسين وتجويد التشريعات، لتكون داعمة للإعلام وتتماشى مع المعايير الدولية.
وليس خافيًا أيضًا أن استقلالية الإعلام تحتاج إلى تعزيز وترسيخ. وهذا لا يقلل ممن يذكرون ويؤكدون أن هوامش حرية الإعلام في الأردن أفضل من بعض دول الجوار، ولكن آن الأوان لأن ننظر إلى التجارب الريادية، وربما نقوم بخطوات مهمة مثل الحد من التدخلات، وإنفاذ حق الحصول على المعلومات، وتقليص الانتهاكات غير الجسيمة التي تُرصد في واقع الممارسات الصحفية اليومية، وكل ذلك يحدث فرقًا في بيئة الإعلام، وبالتأكيد يسهم في تقدم الأردن في المؤشرات الدولية للحريات والحقوق.
نحتاج إلى نهضة في صناعة الإعلام في الأردن لمواجهة تراجع الأمن الوظيفي والمعيشي للصحفيين. وبالتوازي، من المطلوب الاهتمام ببناء جيل جديد من الصحفيين يفهم التحولات الكبيرة التي حدثت في ميدان الإعلام، فلا نظل نعاين مشكلة الصحافة من منظور ما تواجهه الصحافة الورقية من أزمات. فهناك ذكاء اصطناعي يكسر كل التابوهات ويغير قواعد اللعبة، وهناك منصات تواصل اجتماعي تتقدم على وسائل الإعلام المحترفة في الحضور لدى المجتمع.
إذا أردنا أن يبقى الأردن بخير، والإعلام بخير، نحتاج إلى مقاربات مختلفة، وأفق أوسع في بناء التفاهمات، وأن نتقبل حقيقة أن الإعلام سلطة رقابة، وألا نخشى ذلك، فهذا في مصلحة الجميع.
أتمنى أن يأتي العام المقبل وقد حقق الأردن تقدمًا ملموسًا في حرية الإعلام، وألا يعتمد في تقييمه فقط على مؤشرات دولية، وإنما أيضًا على تقارير وطنية تتمتع بالموثوقية والمصداقية، وتعتمد كمرجعية لمعرفة حقيقة واقعنا في كل الميادين، والإعلام في مقدمتها.







