ناصر الدين يكتب: الرؤية بعيون جديدة
يعقوب ناصر الدين
بضعة أشهر ما بين إعلان سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله عن إعادة تفعيل خدمة العلم وما بين قيامه بتخريج الدفعة الأولى من الشباب الذين تلقوا على مدى ثلاثة أشهر القدر الكافي من التدريب والتأهيل العسكري والسلوكي ليكونوا حلقة محصنة من حلقات قوة الدولة في مواجهة التحديات من جهة، وعنصرا من عناصر الصورة التي يريد الأردن أن يرسمها لنفسه في المشهد العام للمنطقة الذي هو جزء منها من جهة أخرى.
لا تتغير الرؤية لبلد أقيم على منظومة متكاملة من القيم والمبادئ والمثل العليا التي صنعها الأوائل الذين حملوا لواء حرية الأمة واستقلالها وحقها في الحياة الكريمة، لكن النظر بعيون جديدة لتلك الرؤية هو أمر في غاية الأهمية لتتجدد الدولة بتجدد أجيالها، ولتعميق قدراتها على التعامل مع التطورات والتغيرات، والاستجابة للمتطلبات العاجلة والآجلة التي تضمن استمرارها ونموها وتقدمها، والحفاظ على دورها ومكانتها في التوازنات الإقليمية والدولية إلى جانب الوفاء بالتزاماتها القانونية والأخلاقية، ومبادرتها الانسانية التي تعزز مكانتها وترفع من شأنها بين الأمم!
كان سمو ولي العهد قد طرح فكرة أو مبادرة توثيق السردية الأردنية بمشاركة أبناء وبنات الوطن ومؤسساته لتكون مرجعية للأجيال القادمة، وفي كلمته في حفل تخريج الدفعة الأولى من مكلفي خدمة العلم أضاف بعدا مهما للرؤية في سياق السردية حين أعاد للأذهان مشهد جده الحسين بن طلال طيب الله ثراه وهو يخرج أول دفعة من منتسبي خدمة العلم قبل خمسين عاما، مستلهما قوله في تلك المناسبة بأن خدمة العلم هي إعلان عن أقصى أنواع الولاء للوطن، وأن معاني الجندية هي الأساس الذي تقوم عليه الأوطان وتبقى.
بهذا المعنى يؤكد سموه على مكانة الجيش وميادينه في الرؤية والسردية، وفي الانتماء الصادق لأرض الأحرار والدفاع عنها والذود عن حماها وقت الشدائد والأزمات، واليوم حيث نعيش في عالم ومحيط مضطرب تتبدل فيه موازين القوى والتحالفات فإن وعينا الوطني وتماسكنا وجاهزيتنا هي السبيل العملي للحفاظ على المصلحة الوطنية وعلى قوة الأردن ليكون قادرا على دعم قوة الأمة وقضاياها العادلة.
الثقة بالنفس هي استحقاق جسده تاريخ طويل من الصمود والثبات، وبالطبع يضع سمو ولي العهد مفهوم الثقة ليكون منطلقا للتقدم إلى الأمام من خلال فهم وتعلم وممارسة التطور التكنولوجي، والعلوم والمهارات الحديثة، وكلها متطلبات تحتاج إلى الإتقان والانضباط وصحوة الضمير، وهذا كله يعيدنا مرة أخرى إلى حاضنة الجيش والشرف العسكري بمعناه المطلق حين يتحول كل موقع وكل قطاع وكل ميدان إلى خندق يجعل المهمة تعلو على الوظيفة، أو كسب العيش الذي حق مشروع لكل إنسان، والذي يصبح نوعا من الوطنية والصمود حين يكون مرتبطا بحب الوطن والتضحية في سبيل أمنه واستقراره وتقدمه.
ما شهدناه من تخريج وتوجيه وربط بين الماضي والحاضر والمستقبل ما هو إلا نظرة تتجدد لأردن يواصل مشروعه النهضوي بهمة أبنائه وبناته من جيل محصن نعول عليه ونضع أملنا فيه بالقدر الذي يأمله قائد مسيرتنا جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الذي وضع قواعد الأردن الجديد على أسس متينة من الخبرة والشجاعة والحكمة، ونحن جميعا على هذا الدرب المبارك نسير.







