خيرالله خيرالله يكتب: نبيه برّي الملجأ الأخير لإيران
خيرالله خيرالله
من يسير حسب المنطق الإيراني، أكان الرئيس نبيه بري أو غيره، إنما يخدم منطق الاحتلال وتكريسه لا أكثر.
لا تستطيع “الجمهوريّة الإسلاميّة” الإيرانيّة تصور لبنان خارج سيطرتها. يبدو لافتا ذلك الإصرار الإيراني على أنّ “الجهوريّة الإسلاميّة” تفاوض باسم لبنان وأنّ الفضل في وقف النار في لبنان يعود إليها وليس للرئيس دونالد ترامب الذي ربط بين وقف النار وبداية التمهيد للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. يشير إلى الإصرار الإيراني على أهمّية لبنان تأكيد وزير الخارجية عباس عراقجي، لدى اتصاله برئيس مجلس النواب اللبناني الرئيس نبيه برّي، إنّ “وقف اعتداءات إسرائيل على لبنان مشمول باتفاقنا مع أميركا”.
ليس صدفة اتصال عراقجي ببرّي كما لو أنّه يريد القول أنّ رئيس مجلس النواب بات الملجأ الأخير لإيران في لبنان. لم تعد لإيران في لبنان غير ورقة برّي بعدما فقدت الرئيس السابق ميشال عون وصهره جبران باسيل اللذين يَعتبران أنّهما أدّيا خدمتهما العسكرية لدى “الحرس الثوري” وبات من حقهما الانصراف إلى العمل من أجل استعادة بعض من رصيدهما لدى المسيحيين في لبنان.
يدلّ هذا الموقف الإيراني من لبنان على إفلاس ما بعده إفلاس، خصوصا أنّ لا وقف حقيقيا للنار في لبنان. كلّ ما في الأمر أن إسرائيل تتابع حربها على لبنان، وهي حرب تسبّب بها “حزب الله” أصلا. تركّز إسرائيل في هذه المرحلة على مناطق تقع جنوب الليطاني. تتجاوز هذه المناطق أحيانا وتذهب إلى توجيه ضربات في البقاع الغربي.
تحيّد الدولة العبريّة بيروت هذه الأيام، بناء على رغبة الرئيس دونالد ترامب الذي لديه حسابات خاصة في شأن لبنان الذي يريد مراعاته كبلد “يحبّه”. قد يعود ذلك لأسباب شخصيّة لا علاقة لها بإيران بمقدار ما لديها علاقة بالرغبة في نجاح أي مفاوضات بين لبنان وإسرائيل. ما لا بدّ من ملاحظته حرص الرئيس الأميركي على استضافة الجولة الأخيرة من المفاوضات التمهيديّة بين لبنان وإسرائيل في البيت الأبيض بدل مقرّ وزارة الخارجيّة.
يعطي الموقف الإيراني من لبنان فكرة عن الأوهام التي لا تزال “الجمهوريّة الإسلاميّة” في أسرها. في مقدّم هذه الأوهام أنّ لبنان لا يزال تابعا لها. ترفض طهران الاعتراف بأن لبنان صار في مكان آخر. ما ترفض الاعتراف به أنّ القرار السياسي اللبناني لم يعد مهيمنا عليه من إيران، خصوصا بعد خروجها من سوريا.
تتجاهل “الجمهوريّة الإسلاميّة” أن لبنان في حاجة إلى التخلّص من سلاح “حزب الله”، بل في حاجة إلى ترتيبات أمنيّة مع إسرائيل من أجل العمل جدّيا على إعادة النازحين من أهل الجنوب إلى قراهم… أو ما بقي منها. كذلك، تتجاهل “الجمهوريّة الإسلاميّة” أنّ لبنان لا يستطيع العيش في ظلّ قنبلة موقوتة اسمها ما يزيد على مليون نازح من أهل الجنوب فقدوا كلّ ما يمتلكونه. يغيب الجانب الأهمّ من المشهد اللبناني عن الرؤية الإيرانية. يتمثل هذا الجانب في عذابات الجنوبيين من جهة وفي رغبة إسرائيل في تغيير طبيعة أرض الجنوب من جهة أخرى. لعل الشاهد الحيّ على ذلك الطريقة التي دمرت بها إسرائيل نفقا بطول كيلومترين أقامه “حزب الله” في القنطرة. لم يكن الأمر مجرّد تدمير لنفق بل سعي إلى تغيير طبيعة الأرض!
في غياب القدرة على وضع لبنان كلّه في جيبها وفي ضوء الهزيمة العسكرية التي لحقت بـ”حزب الله”، نرى إيران تركّز على نبيه برّي الذي يحرص في هذه الأيام على تمييز نفسه عن موقف رئيس الجمهورية جوزيف ورئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام. يراعي برّي الرغبات الإيرانيّة بحجة أنّه يسعى إلى المحافظة على وحدة الطائفة بدل اعتماد موقف وطني لبناني تفرضه الظروف الداخلية والإقليميّة والدوليّة في الوقت ذاته. يعتمد في ذلك على كلام من نوع أنّه يؤيّد المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل. لا يسأل نفسه كيف يمكن لمثل هذه المفاوضات غير المباشرة استعادة الأرض عبر تأمين انسحاب إسرائيلي من مساحة خمسة في المئة من الأراضي اللبنانية؟
هل تنجح المناورة الإيرانيّة التي يستخدم فيها رئيس مجلس النواب في الربط بين لبنان وبين المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة التي تحوّلت إلى مفاوضات غير مباشرة؟ الجواب أنّ مثل هذه المناورة ستفشل. يعود ذلك إلى الواقع القائم على الأرض حيث تدمّر إسرائيل يوميا ما بقي من قرى شيعيّة، في معظمها، بهدف إقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان.
في النهاية إن من يسير حسب المنطق الإيراني، أكان الرئيس نبيه بري أو غيره، إنما يخدم منطق الاحتلال وتكريسه لا أكثر. ليس سرّا أن “حزب الله” يقتات من الاحتلال. يؤكّد ذلك أنّه عمل كلّ شيء من أجل عودته. افتعل “حرب إسناد غزّة” في الثامن من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. معروف ما أسفرت عنه تلك الحرب، بما في ذلك اغتيال حسن نصرالله ومعظم الكوادر العليا للحزب. لا حاجة إلى العودة إلى عمليّة الـ”بيجرز” وما أدت إليه ولا اكتشاف أن إسرائيل تعرف الكثير عن تركيبة الحزب وأماكن سكن قادته.
لم يتعلّم الحزب، ومن خلفه إيران، من نتائج “حرب إسناد غزّة”. جاءت “حرب إسناد إيران” في الثاني من آذار – مارس 2026 لتزيد الطين البلة. وسعت إسرائيل احتلالها. يظلّ السؤال كيف يمكن لشخص، مثل نبيه برّي، يمتلك كلّ هذه الخبرة السياسيّة السير في سياسة إيرانيّة باتت في طريق مسدود بدل دعم الموقف الوطني لجوزف عون ونواف سلام؟
من الصعب فهم موقف رئيس مجلس النواب في وقت يحتاج فيه لبنان أكثر من أي وقت إلى تأكيد القطيعة مع إيران بدل دفع ثمن إرتكابات “الجمهوريّة الإسلاميّة” منذ اليوم الأول لقيامها في 1979؟ ألم يأخذ رئيس مجلس النواب اللبناني علما بأن إيران أطلقت أخيرا معظم ما تملكه من صواريخ ومسيرات في اتجاه دول الخليج العربي… وليس في اتجاه إسرائيل؟



